نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ٨٩ - ٣٨ جواب مفحم
٣٨ جواب مفحم
و أخبرني غير واحد من أهل الحضرة:
إنّ هاشميا وقف لأبي عمر، في طريقه إلى الجامع، و كان سأله شيئا فلم يجبه إليه، فقال له: يا بارقيّ [١] ، يعرّض به، و ما كان عليه من مبايعة ابن المعتز [٢] ، ليكتب أصحاب الأخبار [٣] بذلك، فيجدّد له سوءا عند الخليفة.
فوقف أبو عمر، و قال للرجل: يا هذا إنّ أمير المؤمنين أعزّه اللّه قد عفا عن هذا الذنب، فإن رأيت أن تعفو، فعلت.
قال: فخجل الهاشميّ، و عجب الناس من ثبات أبي عمر، و حسن جوابه، و سرعة فطنته، و تلطّفه [٤] .
[١] كذا في الأصل، و لم أفهم معناها.
[٢] راجع حاشية القصة ١/٧ من النشوار.
[٣] صاحب الخبر: الشخص المنوط به أن يرفع لمرجعه تقريرا مستعجلا بجميع ما يقع أمامه.
[٤] انفردت بها ط. و من الأدلة على فطنة القاضي أبي عمر، و تلطفه في الجواب، ما ورد في ثمرات الأوراق للحموي (ص ٤) ، نقله عن درة الغواص، قال: إن حامد بن العباس، سأل علي بن عيسى، في ديوان الوزارة، ما دواء الخمار؟و كان قد علق به، فاعرض عن كلامه، و قال: ما أنا و هذه المسألة، فخجل حامد منه، و التفت إلى قاضي القضاة أبي عمر، فسأله عن ذلك، فتنحنح لإصلاح صوته، ثم قال: قال اللّه تعالى: وَ مََا آتََاكُمُ اَلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ مََا نَهََاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا . و قال النبي صلى اللّه عليه و سلم: استعينوا على كل صنعة بصالح أهلها، و الأعشى، و هو المشهور بهذه الصناعة في الجاهلية، قال:
و كأس شربت على لذة # و أخرى تداويت منها بها
ثم تلاه أبو نواس، في الإسلام، فقال:
دع عنك لومي فإن اللوم إغراء # و داوني بالتي كانت هي الداء
فأسفر حينئذ وجه حامد، و قال لعلي بن عيسى: ما ضرك، يا بارد، أن تجيب ببعض ما أجاب به مولانا قاضي القضاة، و قد استظهر في جواب المسألة، بقول اللّه تعالى أولا، ثم بقول النبي صلى اللّه عليه و سلم ثانيا، و أدى المعنى، و خرج من العهدة. فكان خجل علي بن عيسى أكثر من خجل حامد، لما ابتدأه بالمسألة.