نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ٢٥٠ - ١٢٩ المعتضد يهدم سور أنطاكية
فقلت: [يا أمير المؤمنين، على أن أقول ما عندي، و أنا آمن؟ قال: نعم.
قلت] [١] : يا أمير المؤمنين، إنّ اللّه لو خلّد أحدا [٢] في الأرض، لخلّد محمدا صلى اللّه عليه، و إنّ هذه الحصون و الأسوار لم توضع لسنة بعينها، و لا لأيّام خليفة بعينه، و إنّما جعلت لتبقى على الدهور، و تدفع عن أهلها في أيّام كل ملك، سائسا كان أو متوانيا.
و لو كنّا نثق بحياة أمير المؤمنين أبدا، ما سألناه خلاف ما يراه، و لو كنّا نثق أنّ من يلي أمور المسلمين بعده يكون لهم، باهتمامه بمصالحهم، [١٨١ ط]و سياسته لخاصّتهم و عامّتهم، مثله، لسهّل ذلك علينا المصيبة بفقدان السور الذي لا عوض عنه، و لو كان من يتقلّد بعده، مثله، لما كان لنا في ذلك عزاء عن السور، فإنّا لا نأمن من إهمال من يجيء بعد ذلك الخليفة أيضا، أن تشغله حادثة عنّا، تمنعه من مصالحنا، فنكون نحن دريّة [٣]
لسيوف الروم، و رماحهم.
و إنّك يا أمير المؤمنين إن هدمت هذا السور، بقي بلدنا ما دمت حيا، ثم خرج عن أيدي المسلمين بعدك، و قتلتنا الروم، و سبت ذرارينا، و صليت بإثمنا في القيامة، و عارنا في الدنيا، فاللّه، اللّه، فينا، فقد صدقتك يا أمير المؤمنين، و الأمر إليك بعد ذلك.
قال: فنكّس المعتضد رأسه ساعة، ثم رفعه، و قد بكى.
و قال: فكيف أعمل، و قد سبق قولي بأنّي أهدمه؟ فقلت له: تعمل الفعلة في هذا اليوم فقط، فيكون في ذلك إبرار
[١] الزيادة من: ط.
[٢] في ط: بشرا.
[٣] درية و دريئة: حلقة يتعلم عليها الطعن، يريد أن سيوف الروم تكون أول ما يصيبهم.