نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ١٤٨ - ٧٧ ناصر الدولة الحمداني يتّبع وصية أبيه أبي الهيجاء
فلو وهبت لي النهروان ضيعتك، لأستعين بغلّتها على خدمتك، ما كان ذلك منكرا.
قال: فحين سمع هذا، تغيّظ غيظا شديدا، و اندفع يشتمني أقبح شتيمة، و قال: يا كلب، سمت بك نفسك إلى أن تمتلك النهروان؟ و قنّعني بالسوط [١] الذي كان في يده، و هو مفتول كالمقرعة، فوقع السوط على وجهي، فشجّه من أوّله إلى آخره، و أحسست بالنار في وجهي، و ورد ذلك على غفلة، فتداخلني له ألم عظيم، و غيظ مما عاملني به أشدّ من الألم.
و قلت في نفسي، ما كان هذا جوابي، و قد كان يقنعه أن يردّني، و لكن نيّته لي فاسدة بعد.
و قصرّت عن مسايرته، و لحقني غلماني، فوقفوا معي ساعة، حتى صلحت قليلا، و سار هو، ففتلت رأس دابتي، و أنفذت من ردّ بغلين كانا لي في السواد، عليهما قماشي و ثيابي و غلماني، و رجعت أريد بغداد، و أنا و قيذ [٢] من الألم و الغيظ حتى وردت بغداد.
و كان الوزير إذ ذاك عليّ بن عيسى، و هو في غاية العناية بأبي، و هو قلّده العمل، و كان يحبّني، و يكرمني، و يختصّني، ففكرت أن أدخل إليه، أشكو أبي، و أريه الأثر الذي بي.
فقصدت دارنا، فأدخلت البغلين و القماش إلى الدار، و لم أنزل، و توجهت إلى دار الوزير.
فحين نزلت عن دابتي، و صرت في الصحن، ذكرت وصيّة أبي لي في أمر الأهل، و ندمت على دخول دار الوزير، و قلت: لأن أقبل
[١] قنعه بالسوط: غشاه به.
[٢] الوقيذ: المحزون القلب أو العليل أو الشديد المرض.