نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ٣٨ - ١٣ أفضل ما يخلف المرء لعقبه صديقا وفيا
على هيأة زريّة، مستخفية، و ابنتي معي، فسلّم اللّه تعالى، و وصلنا هذا البلد، و جميع مالنا سالم.
فأخرجت من الجوهر شيئا، قيمته على أبي الجيش خمسة آلاف دينار، و صرت به إلى سوق الحرّازين [١] فبلغ ألفي دينار.
فقلت: هاتم.
فلما أحضروا المال، قالوا: أين صاحب المتاع؟ قلت: أنا هي.
قالوا: ليس محلّك أن يكون هذا لك، و أنت لصّة، فتعلّقوا بي و جذبوني، ليحملوني إلى صاحب الشرطة.
فخشيت أن أقع في يده فأعرف، فيؤخذ الجوهر، و أطالب أنا بمال، فأخرج الباقي.
فرشوت القوم بدنانير يسيرة كانت معي، و تركت الجوهر عليهم، و أفلتّ.
فما نمت ليلتي غمّا على ما ذهب، و خشية الفقر، لأنّ ما لي هذا سبيله، فأنا غنيّة فقيرة، فلم أدر ما أفعل.
فذكرت كونك ببغداد، و ما بيننا و بينك، فجئتك، و الذي أريده منك جاهك، تبذله لي، حتى تتخلّص لي ما أخذ مني، و تبيع الباقي، و تحصّل لي ثمنه مالا، و تشتري به لي و لابنتي عقارا، نقتات من غلّته.
قال: فقلت: من أخذ منك الجوهر؟ فقالت: فلان.
فأحضرته، فجاءني، فاستخففت به [٢] ، و قلت: هذه امرأة من داري،
[١] سوق الحرازين: هو ما يسمى اليوم سوق الجوهريين.
[٢] استخف به: ترد بمعنى كلمه مستهينا به.