نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ٣٠ - ١١ بين علي بن عيسى و عليّ بن الفرات
و هو رجل شديد الضنّ بصناعة الكتابة، غير مسامح لنفسه في العيب بها، و قد غلط غلطا قبيحا، لو غلط مثله صغير من الكتّاب لافتضح، و بطلت صناعته، و سقط محلّه، و ذاك إنّه قد صدّر في أول المؤامرة بابا، ذكر فيه ما وصل من فضل الكيل في غلات عملك، و أنّك لم تورده، و ألزمك مالا جليلا عنه، ثم ذكر بعد ذلك، أنّك اقتطعت من غلاّت المقاسمة، أشياء أوردها، و ذكر الحجج عليك فيها، و ألزمك مالا جسيما، هو شطر مال المؤامرة.
و قد كان من قانون الحساب، و رسم الصناعة في مثل هذا، أن يبتدئ بما ثنّى به من الاقتطاع الواقع في أصول الغلاّت، ثم يثنّي بذكر فضل الكبا.
فإمّا إذا صدّر فضل الكيل، فقد صحّح لك الأصول، فإيراده ما اقتطعته من الأصول، ناقض للفعل الأول، و هو خطأ قبيح في الكتبة، مسقط لمحلّ من يعمله.
و سبيلك أن تمضي إليه و تخلو به، و تقول: يا سيدي محلّك في هذه الصناعة، لا يقتضي ما قد عملته في هذه[١١٤ ط]المؤامرة، و قد أخطأت خطأ قبيحا، و هو كذا و كذا، و واقفه عليه.
و قل له: لا يخلو أمري معك من حالين:
إمّا كشفت خطأك للناس، ففضحتك في الصناعة بما تنكبني به من المال، و ألزمت بعد ذلك ما يبقى في المؤامرة، و هو يسير.
و إمّا تفضلت بإبطال هذه المؤامرة، و أبطلت عنّي مالها، و سترت على نفسك خطأك، و ارتفقت مني، مع هذا، بما شئت، و ابذل له مرفقا جليلا [١] ، فإنّ حذره على صناعته، و حبّه للمرفق، سيحمله على
[١] المرفق: الرشوة.