نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ٣٥٣ - ١٨٧ عيار بغدادي يحتال على أهل حمص
فاطلبي قودي بإقراري، و حملي إلى السلطان، فسيعرضون لك الدية فلا تقبليها، أو يبذلوا لك عشر ديات، أو ما استوى لك بحسب ما ترين من زيادتهم، و حرصهم.
فإذا تناهت عطيّتهم في افتدائي إلى حدّ يقع لك أنّهم لا يزيدون بعده شيئا، فاقبلي الفداء منهم، و اجمعي المال، و خذيه، و اخرجي من يومك عن البلد إلى طريق بغداد، فإنّي سأهرب، و أتبعك.
فلما كان من الغد جاءت المرأة، فلما رأته، فعلت به ما قال لها، و لطمته و قالت المقالة التي علّمها.
فقام أهل البلد ليقتلوها، و قالوا: يا عدوّة اللّه، هذا من الأبدال [١]
هذا من قوّام العالم [٢] ، هذا قطب الوقت [٣] ، هذا صاحب الزمان، هذا، هذا.
فأومأ إليهم أن اصبروا و لا تنالوها بسوء، فصبروا، و أوجز صلاته، ثم سلّم، و تمرّغ في الأرض طويلا.
ثم قال للناس: هل سمعتم لي كلمة منذ أقمت فيكم؟ فاستبشروا لسماع كلامه، و ارتفعت صيحة عظيمة، و قالوا: لا.
قال: فإنّي إنّما أقمت عندكم تائبا ممّا ذكرته، و قد كنت رجلا في زيغ و خسارة، فقتلت ابن هذه المرأة، و تبت، و جئت إلى هاهنا للعبادة،
[١] البدل: من مصطلحات الصوفية، و هم سبعة رجال، من سافر منهم من موضع ترك جسدا على صورته حيا بحياته، ظاهرا بأعمال أصله، بحيث لا يعرف أحد أنه فقد (التعريفات للجرجاني) .
[٢] العالم: في اصطلاحات الصوفية: كل ما سوى اللّه من الموجودات، لأنه يعلم به اللّه، من حيث أسمائه و صفاته (التعريفات) .
[٣] القطب: من مصطلحات الصوفية، و قد يسمى غوثا، باعتبار التجاء الملهوف إليه، و القطب عبارة عن الواحد الذي هو موضع نظر اللّه في كل زمان (التعريفات) .