الطّراز الأوّل - ابن معصوم المدني - الصفحة ٤٦٢
( هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً ) [١] أَي قد [٢] أتَى على الإنسانِ طائفةٌ محدودةٌ مِنَ الزَّمانِ الطَّويلِ المُمْتَدِّ الَّذي لا يَعْرِفُ مقدَارَهُ لَمْ يَذْكُر فيهِ أَو غيرُ مذكورٍ بالإِنسانيّةِ أَصلاً ؛ كالعُنْصُرِ والنُّطفَةِ. والمرادُ بالإنسانِ الجنسُ ، وإطلاقُهُ على ما قبلَ نفخِ الرّوحِ فيهِ من بابِ إِطلاقِ الخَمْرِ على العَصيرِ ، أَو هو آدمُ والحِينُ محدودٌ ؛ وذلك أنَّهُ مكَثَ أربعينَ سنةً طِيناً إلى أَنْ نُفِخَ فيهِ الرُّوحُ فصارَ شيئاً مذكوراً بعدَ أنْ كانَ كالمَنْسِيِّ.
الأثر
( لَا تَسُبُّوا الدَّهْرَ فإِنَ الدَّهْرَ هُوَ اللهُ ) [٣] ويُروَى : ( فإنّ اللهَ هُوَ الدَّهْرُ ) [٤] وفي روايةٍ : ( فإِنِّي أَنَا الدَّهْرُ ) [٥] وذلك أَنَّهُ كان من شأن العربِ ذَمُّ الدّهرِ وسَبُّهُ عند النَّوازِلِ لاعتقادِهِم أَنَّه الطَّارِقُ بالنَّوائبِ ، فنُهُوا عن ذلِكَ وبُيِنَ أَنَّ لَهُم الطّوارِقَ الّتي تَنزِلُ بهِم مُنَزِّلُهَا اللهُ تعالى دونَ غيرِهِ.
وقيل : الدَّهْرُ الثّاني ليس بمعنى الأوّل بل هو مصدرٌ بمعنى الفاعِلِ ، ومعنَاهُ أنَّ اللهَ هُوَ الدَّاهِرُ ؛ أَي المُصَرِّفُ المُدَبِّرُ المُقَيِّضُ لِما يحدُثُ. والأوّلُ أظهرُ.
هذا ، وقد يُذَمُّ الدّهرُ والزَّمانُ ويُمدَحُ لا من حيث إِنَّه الفاعِلُ للشّرِّ والخيرِ ـ كما تزعمُهُ الدَّهرِيَّةُ ـ بل باعتبار أَنّه من الأَسبابِ المُعِدَّةِ لحُصُولِ ما يحصُلُ في هذا العالَمِ مِنَ الامتزاجَاتِ وما يَتْبَعُهَا ممّا يُعَدُّ شرّاً أو خَيْراً ، أَو لكونِهِ ظرفاً لهما فَيُذَمُ [٦] الدّهرُ الّذي يكون فيه الشَّرُّ أَكثَرَ ويُمْدَحُ الّذي يكونُ فيه الخيرُ أَكثَرَ ، وعلى ذلك ما ورد في كلام المِلِّيِّينَ من
[١] الإنسان : ١. [٢] في « ج » : مدة بدل : قد. [٣] و (٤) غريب الحديث للخطّابي ١ : ٤٠٩ ، الفائق ١ : ٤٤٦ ، النّهاية ٢ : ١٤٤. [٥] مشارق الأنوار ١ : ٢٦٢ ، وانظر غريب الحديث للخطّابي ١ : ٤٠٩ ، والبخاري ٨ : ٥١. [٦] في نسخة : فذم.