الطّراز الأوّل - ابن معصوم المدني - الصفحة ٢٦٧
حَذَّرَ منهُ عقابٌ يصدُر من اللهِ لا مِنْ غَيرِهِ ، أَو الضَّميرُ عائدٌ إلى اتّخاذِ الأولياء ؛ أي ينهاكُم اللهُ عن نَفْسِ هذا الفعلِ.
( [ إِنَ ] اللهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ )[١] مُظهِرٌ ما كنتم تَحْذَرُونَ إظهارَهُ من نِفاقِكُم.
( وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ )[٢] أَي نحنُ قومٌ من عادتنا التيقُّظُ والحَذَرُ والحْزمُ في الأُمورِ ؛ فإِذا خرَجَ علينَا خارِجٌ سارَعْنَا إلى إطفاءِ نار فسادِهِ ، أَو جَمْعُ حَاذِرٍ ؛ وهو المُؤْدِي في السِّلاحِ الشّاكُّ فيهِ. وقُرئَ حَذِرُونَ ـ بكسرِ الذّالِ [٣] وضمّها [٤] ـ أَي متيقِّظونَ محترِزُونَ.
المثل
( الحَذَرُ قَبْلَ إِرسَالِ السَّهْمِ ) [٥] أَصلُهُ في زعمِهم : أَنَّ غُراباً أَرادَ فرخُه أَن يطيرَ فرأَى رجلاً قد فوَّقَ سهماً ليرمَيهُ ، فطارَ الفرخُ ، فقال الغُرابُ : يا بُنىَّ اتَّئِدْ حَتّى نعلم ما يُريد الرَّجلُ ، فقال الفرخُ ذلك. يُضرب في التَّحْذِيرِ من المخُوفِ قبلَ وقُوعِهِ.
( الحَذَرُ أَشَدُّ مِنَ الوَقيعَةِ ) [٦] قال الميدانيُّ : أَي أَشدُّ من الوُقوعِ في المَحْذُورِ ؛ لأَنَّه إِذا وقعَ فيه عَلِمَ أَنَّه لا ينفعُ الحَذَرُ ، انتهى.
وعندي أنّ معناهُ غيرُ ذلك. بل المرادُ أنّ الحَذَرَ أَصعَبُ وأَشقُّ من الوقوعِ في المَحْذُورِ ؛ لأَنّ الخائفَ الحَاذِرَ لا يزالُ قلقاً مهتمّاً ممّا يَحْذَرُهُ ، فإذا وقع فيه زالَ قلقُهُ واطمأنَّ به جَنْبُهُ ، فهو كقولهم : أمُّ المقتول تنامُ وأمُّ المُهَدَّدِ بالقتلِ لا تنام ، واللهُ أعلم [٧].
[١] التّوبة : ٦٤. [٢] الشّعراء : ٥٦. [٣] قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وغيرهم انظر السّبعة : ٤٧١ ، والحجّة للفارسي ٣ : ٢٢٠ ، ومعجم القراءات القرانيّة ٤ : ٣١٢. [٤] حكاها الأخفش انظر الصّحاح وانظر أَيضاً علل القراءات لابن خالويه : ٣١٣. [٥] مجمع الأمثال ١ : ٢٠٦ / ١٠٩٣. [٦] مجمع الأمثال ١ : ٢١١ / ١١٢٢. [٧] هذا المعنى هو الأوضح المتبادر من المثل وهو كقول الشّاعر :
| الموتُ مُرّ إنّما |
| انتظارُهُ أَمَرّ |