الصحيح من سيرة النبي الأعظم صلّى الله عليه وآله - العاملي، السيد جعفر مرتضى - الصفحة ٢٥ - فخرج على قومه في زينته
التفاتهم إلى أن موسى «عليه السلام» لا تلقى عليه أسورة الذهب، و لا تأتي معه الملائكة، قد جعلهم يتخيلون أن السعادة، و اللذة و الحياة ستكون في جانب فرعون، و أن البؤس و السغب و الحرمان سيكون في الجانب الآخر، فيستثير ذلك غرائزهم، و يدفع أهواءهم، للإندماج و الانغماس، في هذا الواقع الزاخر بالشهوات. . و يدفعهم ذلك إلى أن ينأوا بأنفسهم عن الاستجابة لدعوات الحق، و يزيد من نفورهم منه، و ابتعادهم عنه.
و أما عقولهم، فلا يكون لها دور، و لا يسمع لها رأي، لأنهم يشعرون أن عقولهم تدعوهم للتخلي على اللذة الحاضرة منهم، من دون عوض حاضر تقدمه إليهم.
و هذا بالذات هو ما جرى لأبي هريرة، فإنه حين رأى الديباج و الحرير، و الذهب، و العدة و العدد، و العتاد و السلاح، استيقظت غرائزه، و اشرأبت أعناق الشهوات و حب الدنيا في نفسه، لتغرق في هذا الذهب، و ذلك الحرير، و تعيش الركون إلى العدة و العدد، و السلاح. . و غاب العقل عن مسرح القرار، و خف ميزانه، و ضعفت قدرته على التأثير في نفس هيمنت عليها الغرائز، و تملكها حب الدنيا، و ركنت و انشدت إليها. .
و ربما يذكّره ثابت بن أقرم بالمعادلة الصحيحة، و هي: أن النصر ليس للكثرة، و أن بدرا هي خير شاهد و دليل على ذلك. .
فسكت أبو هريرة، و لم يجرؤ على إظهار حقيقة ما يعتلج في نفسه، و لم يكن لديه حيلة، و لا وسيلة، إلا هذا السكوت الساتر لما في الضمائر. .