انوار الفقاهة( كتاب البيع) - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١١٥ - المقام الخامس تقديم الإيجاب على القبول
إلّا من قبل نفسه، و إن شئت قلت: الموجب يبني العقد من قبل نفسه فقط، ثم يتبعه القابل، فيتمّ أمر العقد المتوقف على الطرفين، فليس فعل القابل مثل «شكر اللّه سعيك» الذي يقال بعد تمام العمل.
إلّا أنّ القابل لما كان يعطف عهده إلى عهده، و إنشاءه إلى إنشائه، فلا يحتاج إلى ذكر إنشاء العقد بجميع خصوصياته، و إلّا فلا فرق في الواقع بين فعلهما، و إن افترقا في اللفظ و الظاهر، و كان أحدهما كالفاعل و الآخر كالقابل.
و الحاصل: إنّ كلّا منهما «مملك» و «متملك» و طرف للمعاقدة و المعاهدة، لا ينقص أحدهما عن الآخر شيئا، لأنّه مقتضى معنى المعاهدة و المعاقدة، لأنّه أمر بين اثنين كل واحد منهما طرف له من دون أي تفاوت من هذه الجهة.
نعم، في مقام البيان و شرح هذا المعنى، فالقابل يعطف إنشاءه على إنشاء البائع من غير حاجة إلى بيان أكثر، فيقول: قبلت هذا العقد، أو قبلت هكذا، أو قبلت، مجرّدا عن كل شيء.
و من هنا يظهر النظر في جميع الوجوه الثلاثة المذكورة و عدم تمامية شيء منها.
هذا كله على فرض القول بوجوب تركب العقد من الإيجاب و القبول و كون الثاني كالمطاوع لفعل الأول، و لكنه بعد محل إشكال بل منع، لإمكان تركّبه من إنشاءين متشابهين، سواء سمّيته إيجابين أم لا، بأن يقول كل منهما: ملكتك ملكي هذا بازاء ملكك، أو جعلت هذا المال بازاء هذا المال، أو قالا: قبلنا المبادلة بين المالين.
و السرّ في ذلك كلّه ما عرفت من أنّ حقيقة العقد معاهدة بين الطرفين لا يفترق أحدهما من الآخر من هذه الجهة- و تفاوت البائع و المشتري من بعض الجهات لا دخل له بأصل العقد- و لا يلزم أن يكون إنشاء أحدهما بلفظ القبول دائما حتى يشبه المطاوعة، بل للثاني أن ينشئ بلفظ القبول و يعطف إنشاءه على إنشاء الأول، أو ينشئ بلفظ آخر و يذكر فيه جميع خصوصيات العقد، فيقول الأول: ملكتك مالي هذا بازاء مالك، و يقول الثاني: أنا أيضا ملكتك مالي هذا بازاء مالك، فتدبّر فانه حقيق به.
و بهذا تنحل عقدة الإشكال في إنشاء النكاح بقول الزوج «أتزوجك على كتاب اللّه