انوار الفقاهة( كتاب البيع) - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٥١ - الاول ضرورة الحكومة للناس
عمّا يوجب انفاذ الأحكام و إجرائها، اللّهم إلّا أثرا ضعيفا، بل السرّ في نفوذ الإسلام على أكثر بقاع المعمورة من الأرض في مدّة قليلة قد لا تبلغ قرنا واحدا، هو اعتماده على تأسيس الحكومة و ايجاد نظام لأمره، كما لا يخفى على الخبير.
ثالثها: الروايات الكثيرة الدالة على ضرورتها للامة الإسلامية منها ما يلى:
١- ما رواه في نهج البلاغة عن أمير المؤمنين عليه السّلام أنّه لما سمع كلام الخوارج «لا حكم إلّا اللّه» قال: «كلمة حق يراد بها الباطل، و لكن هؤلاء يقولون «لا أمرة إلّا للّه» و انّه لا بدّ للناس من أمير برّ أو فاجر، يعمل في أمرته المؤمن، و يستمتع فيها الكافر و يبلغ اللّه فيها الأجل، و يجمع به الفيء، و يقاتل به العدو، و تؤمن به السبل، و يؤخذ به للضعيف من القوى» [١].
و حاصله أنّ الحكم له معنيان: أحدهما: الحكم بمعنى تشريع القانون الإلهي فهو منحصر بمشية اللّه و إرادته، و الثاني: بمعنى إجراء هذا القانون، و هذا لا يكون إلّا بسبب إنسان إن كان برّا فهو، و إلّا خلفه فاجر، و لكن الخوارج قد لبسوا على أنفسهم و على الناس بالخلط بين المعنيين، ثم أشار عليه السّلام إلى فوائد سبعة لتأسيس الحكومة و انه لا تتيسر بدونها هذه الفوائد العظيمة.
و في بعض الروايات المروية من طرق العامة أنّه لما قال عليه السّلام: لا يصلح الناس إلّا بأمير بر أو فاجر، قالوا: يا أمير المؤمنين! هذا البر، فكيف بالفاجر؟ قال: «إن الفاجر يؤمن اللّه به السبل، و يجاهد به العدو، و يجيى به الفيء، و يقام به الحدود و يحج به البيت، و يعبد اللّه فيه المسلم آمنا» [٢].
و هذا دليل أيضا على أن حكومة الظالمين و إن كانت على خلاف ما أمر اللّه به و لكنه أحيانا يحصل بها بعض المنافع المترقبة من الحكومة العادلة، كالموارد المذكورة في الرواية، و هذا أمر ظاهر في بعض الحكومات التي نرى في شتى نواحي العالم.
٢- الرواية المعروفة لفضل بن شاذان رواها في «علل الشرائع» و فيها بيان علل كثيرة
[١]. نهج البلاغة، الخطبة ٤٠.
[٢]. كنز العمال، ج ٥، ص ٧٥.