انوار الفقاهة( كتاب البيع) - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٢٢ - المقام السادس اعتبار الموالاة في العقد
و القبول، لأنّ للعقد هيئة اتصالية في نظر العرف، بل هو بطرفيه (الإيجاب و القبول) بمنزلة كلام واحد يرتبط بعضه ببعض، فكما لا يجوز الفصل الطويل بين أجزاء كلام واحد و إلّا لم يصدق عليه كلام واحد، فكذلك العقد.
هذا و قد أورد عليه بوجهين:
أحدهما: إنّ الدليل على صحة المعاملات عموما و البيع خصوصا، ليس خصوص وجوب الوفاء بالعقود، بل يجوز التمسك بما دلّ على حلية البيع و التجارة و صدقهما مع الفصل ظاهر.
ثانيهما: المنع من عدم صدق العقد على ما كان فيه فصل بين الإيجاب و القبول، و ذلك لأنّ العقد ليس اسما للفظ المركب منهما، بل هو عبارة عن الأمر النفساني الذي هو العهد، و هذا لا ينفصم بمجرّد الفصل بين الإيجاب و القبول، غاية الأمر أنّ الاعتبار القائم بالنفس يحتاج إلى مظهر، و إن شئت قلت: العقد عبارة عن اتصال الالتزامين، و هذا المعنى حاصل ما لم يرجع الموجب عن التزامه، مهما كانت الفاصلة (انتهى ملخصا).
هذا و لكن الانصاف أنّ شيئا منهما غير صالح للجواب، لأنّ البيع و إن كان بعنوان المعاطاة كان خارجا عن محل الكلام، و إن كان بعنوان العقد اللفظي و البيع بالصيغة أمكن المنع عن صدق البيع، إذا قال البائع: بعت هذه الدار بهذا المبلغ، فقال المشتري بعد شهر في مجلس رأى البائع فيه: قبلت ما ذكرت قبل أو سنة، فإن صدق البيع و التجارة على مثل ذلك محل منع أو محل شك، و إن بقي البائع على نيّته و اعتباره.
و أمّا حديث كون الإنشاء اعتبارا مبرزا فقد عرفت الإشكال فيه بما لا يحتاج إلى التكرار، و أنّ حقيقة الإنشاء إيجاد الاعتبارات العقلائية بأسبابها، فإنّهم يعتبرون الملكية لمن اشترى شيئا و أوجدها في عالم الاعتبار بأسبابها، فليست الملكية أمرا تكوينيا كما أنّه ليس مجرّد اعتبار في نفس المنشئ بل هي اعتبار عند العقلاء و أهل العرف يوجد بأسبابه.
فالعقد هو هذا الإنشاء اللفظي أو الكتبي أو غير ذلك بماله من المعنى، و لكن بعد ما حصل الإنشاء بأسبابها يرون له بقاء، و لذلك يجعلون للعقد تاريخا معينا، و إن شئت قلت: العقد اسم للعقد السببي.