انوار الفقاهة( كتاب البيع) - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٨ - عود إلى تعريف البيع
و في الحقيقة فان هذا المورد يشابه صورة العمل الخارجي بالنسبة إلى عالم الاعتبار، فكما أنّ من يبيع الخبز بالدراهم يعطي الخبز ليأخذ الدرهم، و المشتري يقبله منه في مقابله، فكذا في كيفية الاعتبار، و تقديم القبول أحيانا مثل تقديم دفع النقود لا يكون مغيّرا لهذه الحقيقة.
خامسها: انتقاض طرده بالصلح و الهبة المعوضة، و اجيب عن الأول بأنّ حقيقة الصلح ليست هي التمليك على وجه المقابلة، بل معناه الأصلي التسالم على شيء، و هذا غير منطبق على ما عرفت من تعريف البيع.
أقول: قد وقع الكلام في مفتتح كتاب الصلح في الفقه في مقامين:
الأول: في أنّه هل يعتبر في حقيقة الصلح التجاذب و التنازع أم لا؟ حكي عن ظاهر الأصحاب الاتفاق على عدم اعتباره، و إن حكي عن بعض أهل الخلاف اعتباره.
قال في المسالك: إنّ الحكمة فيه و إن كانت رفع الخلاف و النزاع، و لكن الحكمة ليست لازمة في جمع الأفراد، كما في المشقة في السفر، و عدم تداخل المياه في العدّة، و ذلك لعموم أدلة الصلح، مثل قوله عليه السّلام: «الصلح جائز بين المسلمين» أو قوله صلّى اللّه عليه و آله: «الصلح جائز بين المسلمين إلّا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا» [١].
هذا و الإنصاف أنّ اطلاق أدلة الصلح محل إشكال أو منع بعد كون التنازع و التجاذب مأخوذا في مفهوم هذه الكلمة عرفا، و أنّه ممّا لا ينبغي الشك فيه.
و يمكن أن يقال- كما يظهر من بعض- إنّ كون شيء ممّا يترقب منه النزاع مظنة للتجاذب أيضا كاف في ذلك، لا سيما أنّ العقود إنّما شرعت في الشرع و العرف لأغراض لا يتأتى من غيرها، فلو كان للصلح أثر البيع و الاجارة و غيرها، فأي داع في تشريعها، بل الظاهر أنّه لا بدّ فيه من وجود نوع من الخلف و لو بالقوّة، كما في الحقوق المبهمة و الدعاوي المشكوكة و الديون غير الثابتة، أو الثابتة غير معلومة المقدار أو غير ذلك، و تمام الكلام في محله.
[١]. وسائل الشيعة، ج ١٢، كتاب الصلح الباب ٣، ح ١ و ٢.