انوار الفقاهة( كتاب البيع) - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٤٣ - المقام الرابع الولاية على الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر
و من هنا يظهر الحال في «المقام الأوّل» و أنّ وجوب هذه المراتب باجمعها من الانكار بالقلب إلى آخر مراتب الإنكار باليد واجب باطلاق ما عرفت من الروايات الشارحة لمراتب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، بل باطلاق ما دلّ على وجوب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر أيضا.
إن قلت: ما الفائدة في ترك المنكر بالاجبار، و كذا فعل المعروف كذلك؟ و وجود الاجبار في بعض المراتب المذكورة ممّا لا يكاد ينكر؟ أو ليس المقصود من تشريع الشرائع تكميل النفوس و دعوتها إلى فعل المعروف و ترك المنكر اختيارا، و قيام الناس بالقسط و العدل؟ و أي فائدة في الجميل الاضطراري؟
قلت: العمل بهذه الوظيفة و إن أدّى إلى الاجبار في كثير من الموارد بالنسبة إلى بعض الناس، لكنه لطف بالنسبة إلى غيرهم ممن يعيش في ذلك المجتمع، فان نشر آثار الفساد و إشاعة الفحشاء ممّا يوجب ترغيب النفوس نحوه بلا ريب، بل قد يكون لطفا أيضا في حق فاعله في الوقائع المستقبلة (إذا لم يكن النهي بقتله) و إن هو إلّا كإجراء الحدود و التعزيرات التي لا يمكن إنكار تأثيرها في تربية النفوس.
إن قلت: فوجوب هذه المراتب ثابت في أي أمر؟ فهل يجوز قتل من لا يرتدع من شرب الخمر و القمار مثلا، كما لعله ظاهر اطلاق كلماتهم.
قلت: كلّا، بل اللازم مراعات الأهم في البين و اطلاقات الآيات و الروايات منصرفة إليه كإطلاق كلماتهم، فلا يجوز الضرب و الجرح أو الكسر و القتل في كل مورد من موارد ترك المعروف و فعل المنكر بل لا بدّ من ملاحظة الأهم و المهم.
و إن شئت قلت: يقع التعارض بين أدلة وجوبهما و أدلة حرمة ايذاء المؤمن و جرحه و قتله، بل هو من قبيل التزاحم، و من المعلوم أن مقتضى القاعدة في المتزاحمين الأخذ بالأهم.
و من هنا يظهر الحال في «المقام الثاني»، و أنّه يجب الأيسر، فما دام المواعظ الحسنة مؤثرة لا يجوز الانكار بالكلمات الخشنة، و ما فيه هتك و تحقير و ايذاء، و ما دامت هذه مؤثرة لا تصل النوبة إلى الضرب، و قد يكون الضرب، و قد يكون الضرب أهون من بعض