الإمامة الإلهية - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٤٣٥ - استعراض تفصيلي للآيات
«فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها قالَ أَ خَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً» [١]، وهذه هي الحادثة الأولى، والتي رأى فيها موسى تصرّفاً في ملك الغير وتعريض الآخرين للغرق، كما يُلاحظ أنّ موسى استخدم تعبير (إمراً) أي مستقبح، بينما في قتل الغلام كما سترى- يستخدم نكراً وهي أشدّ من الأولى؛ لشدّة قباحة الفعل ظاهراً.
«فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا لَقِيا غُلاماً فَقَتَلَهُ قالَ أَ قَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً» [٢]، وهو قتل الخضر للطفل الصغير الذي لم يبلغ الحلم، وفي هذا تعدّيان في نظر موسى: أحدهما هو القتل من دون سبب مجوّز له، والآخر أنّه ما زال صغيراً ولا يؤاخذ بما يفعل فضلًا عمّا لم يأت به.
«فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ قالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً» [٣]، فالفعل هنا ليس كسابقه؛ إذ ليس فيه تعدّي، بل عمل تبرّعي محض لمصلحة الآخرين، كما يظهر أنّ إقامة الجدار قام بها الخضر بنفسه من دون موسى، وأنّه كان دفعياً بنحو التصرّف التكويني لا تدريجياً، لذا كان اعتراض موسى عليه بعد انتهاء العمل.
«قالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَ بَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً» [٤].
إنّ هذه الآية الكريمة توضّح لنا أنّ للخضر نوع من العلم الذي ليس لدى النبيّ موسى؛ و ذلك لأنّ العلم النبويّ هو العلم بإرادات اللَّه التشريعية، و هذا بخلاف العلم اللدني الذي يكون لدى أولياء اللَّه الحجج، ونحن في نفس الوقت نثبت أنّ كلّ نبيّ من حيث نبوّته قد يكون مطّلعاً على العلم اللدني من بعض جوانبه.
[١] سورة الكهف ١٨: ٧١.
[٢] سورة الكهف ١٨: ٧٤.
[٣] سورة الكهف ١٨: ٧٧.
[٤] سورة الكهف ١٨: ٧٨.