الإمامة الإلهية - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٤٨٥ - الفائدة الرابعة
حفظ الفارق أيضاً بين تصوير العرفان والدين، في حين لم يتمكّن الحكماء إلّا بتقديم كلّيات تؤمن حالة من المعرفة من بعيد لا أكثر.
والمتكلّم اعتمد على الحسن والقبح وفيه حيوية العقل العملي، ومن ثمّ كان واحداً من امتيازاته.
وبعبارة أُخرى: إنّ الفلاسفة وإن قبلوا أنّ الملائكة موجودات حيّة مختارة، ولكنّهم في الوقت نفسه قالوا بأنّها أسباب تكوينية لا تتخلّف، مع تركيزهم على هذه الزاوية في عموم كلماتهم، ومن ثمّ فسّروا الأمر في: «لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ» [١] و «هُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ» [٢] والأمر بالسجود لآدم، بأنّها ليست أمراً اصطلاحياً، وإنّما بالأسباب التكوينية التي لا تتخلّف، وهي لفتة صحيحة وغير صحيحة بمعنى آخر:
فهي صحيحة: من جهة أنّه ليس هناك أوامر اعتبارية وإنشاءات وشريعة ظاهرة.
وهي غير صحيحة: من جهة أنّها أوامر حقيقية، فلا مبرّر لتأويلها بالسبب الموهم لانعدام الاختيار وإن كان الفلاسفة لا ينفون الاختيار، وإنّما هي شريعة كونية في الإرادات الإلهية التكوينية، وقد ورد عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام: «إنّ حكم اللَّه في أهل السماء و الأرض واحد» [٣]، فهم مختارون حقيقة، وإمكان المخالفة موجودة وباب التكامل مفتوح، فقد ورد أنّهم يزدادون بعبادتهم لربّهم علماً.
نعم: المخالفة لا تكون بالمعصية؛ فإنّ القرآن صريح في أنّهم لا يعصون، كما أنّهم لم يتوفّروا على داعي المعصية- كما جاء في الحديث الشهير- وهي الشهوة
[١] سورة التحريم ٦٦: ٦.
[٢] سورة الأنبياء ٢١: ٢٧.
[٣] نهج البلاغة الخطبة القاصعة.