الإمامة الإلهية - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٤١٣ - العلم اللدني المقوّم لماهية الإمامة
الأدباء في الوصول إليها، نظير ترسيم شخصّية صاحب النصّ وبيئته وخلفيته العلمية وخلقه وتاريخه، إلى غير ذلك من العوامل والبيئات التي ترتبط بصاحب النصّ، كلّ ذلك من خلال مقطوعة لفظية يدرسها ويحلّلها الأديب البارع. ولقد كانت المسابقات الأدبية معهودة عند عرب الجاهلية حيث كانوا يتعاطون في سوق عكاظ حول القصائد الشعرية والمقطوعات النثرية عند من برز نجمه في الأدب.
والنتيجة: أنّ الروايات التفسيرية ليست مجرّد تعبّدية إجمالية محضة، بل مدلّلة مُبيّنة على التفسير الثاني للبطون التأويلي الخفي لأنّ فيها إرشاداً إلى كيفية الاستفادة من الظهور القرآني، بخلافه على المعنى الأوّل؛ فإنّها لا تعدو التعبّد بمعنى الذي لا نعرف موازينه ولم نتعرّف عليها ..
في حين أنّها على الفهم الثاني للبطون ستكون شرحاً وتفصيلًا للقرآن الذي هو بمثابة الدستور كما ذكر السيد البروجردي تبعاً لمنهج العلّامة المجلسي في البحار.
وبهذا الفهم يتمّ القضاء على الشبهة الموجّهة للشيعة الإمامية بأنّها فرقة باطنية غنوصيّة لا تعلن عن أفكارها ومتبنياتها؛ إذ عرفت أنّ الشيعة لا تعتقد ولا تتبنّى فكرة إلّاوهي ظاهرة مآلًا من القرآن والسنّة [١].
[١] على الفهم الأوّل للبطون يجاب عن شبهة الباطنية بالحديث الشريف: «من آمن بالظاهر دون الباطن فقد كفر، ومن آمن بالباطن دون الظاهر فقد كفر، ومن آمن بهما معاً فقد آمن».
و ذلك لأنّ الإيمان بالباطن دون الظاهر يساوق عدم الالتزام بالشريعة الظاهرية وبواجباتها ومحرّماتها، بل وعقائدها، وهو واضح أنّه انحراف وكفر .. فتهمة الباطنية إنّما تشكّل وصمة، وتعبّر عن الانحراف إذا كان بالتنكّر للظاهر، أمّا مع الدمج بينهما فهو الإيمان، بل ورد في الحديث أنّ إنكار الباطن والاقتصار على الظاهر كفر. كيف، وهناك جملة من الآيات القرآنية دالّة على ذلك كقوله تعالى: «و ما يعلم تأويله إلّااللَّه و الراسخون في العلم»، وقوله تعالى: «إنّه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسّه إلّاالمطهّرون»، وقوله تعالى: «بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ»، وقوله تعالى: «ونزّلنا عليك الكتاب تبياناً لكلّ شيء»، وقوله تعالى: «بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم»، وغيرها من الآيات الدالّة على أنّ لظاهر القرآن تأويل وحقائق في اللوح المحفوظ والكتاب المكنون والكتاب المبين لا يطّلع عليها إلّاالمطهّرون أهل آية التطهير، حيث الكتاب آيات بينات في صدورهم، والإيمان بظاهر الكتاب وإنكار تأويله في اللوح المحفوظ والكتاب المكنون والكتاب المبين هو من باب: «أتؤمنون ببعض الكتاب و تكفرون ببعض»، ونظير ذلك الحديث النبويّ: «ربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه»، حيث يدلّ على أنّ فقه الدين وفهمه له مراتب ومدارج مترامية متلاحقة تمتدّ بامتداد ما للدين من عمق وغور خفية عن مرتبة الظاهر الأوّل، وقد أشبعنا البحث في ذلك في الفصول السابقة.
وكذا قوله: «قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفذ البحر قبل أن تنفذ كلمات ربي».