الإمامة الإلهية - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٥٥٢ - النموذج الرابع يوسف عليه السلام
الاستنباط بالمعنى القرآني لا بمعنى الاجتهاد الظنّي؛ إذ هو لا يورث العلم ولا يوقي عن اتّباع الشيطان في تدبير النظام الاجتماعي السياسي؛ إذ يتوقّف ذلك علاوة على العلم المحيط بالتشريعات الإلهية، على العلم اللدني المحيط بالموضوعات في الشؤون المختلفة وعلم الأحداث الذي يزوّد به وليّ الأمر في ليلة القدر، حيث يتنزّل عليه تفاصيل كلّ الأحداث المستقبلية صغيرها وكبيرها وقد تقدّم شطر وافر من الكلام في الفصل السابع من مباحث ليلة القدر، وقرينة على إرادة هذا المفاد من الآية هو التعبير ب (لَعَلِمَه) الظاهر في حقيقة العلم لا الظنّ، لا سيما قد وصف هذا العلم بأنّه يوقي بنحو دائم بات عن اتّباع الشيطان، وهو أشرف من علم تأويل الأحاديث.
قوله تعالى: «وَ كَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَ لِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَ اللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ* وَ لَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْماً وَ عِلْماً وَ كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ» [١]، إنّ الآية تبيّن أنّ التمكين بيد اللَّه تعالى فزمام الأُمور الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وكلّ دقائق الحياة- كما سيأتي بيانه مفصّلًا- موكول أمره إلى اللَّه تعالى.
وتمكين يوسف في الأرض مقاماً غير النبوّة، بل هو مقام حاكمية من قبل اللَّه تعالى، وهي إحدى الحبوات التي حُبي بها يوسف عليه السلام.
وإنّ ما عمله أُخوة يوسف عليه السلام هو بنفسه يصبّ في الغرض الإلهي وإن كان معصية من قبلهم، وهذه سنّة لا تتخلّف من أنّ كلّ ما يعمله الظالمون والمفسدون فإنّه غير غالب لتدبير اللَّه تعالى، بل اللَّه تعالى غالب على أمره قد جعل اللَّه لكلّ شيء قدراً «وَ يَمْكُرُونَ وَ يَمْكُرُ اللَّهُ وَ اللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ» [٢] فإنّه أخيراً سيصبّ في الغرض الإلهي، ولا يعني هذا حسن عمل السوء، فالقبيح يبقى قبيحاً، وعمل السوء يحيق بصاحبه: «وَ لا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ» [٣]، ولا يضرّ اللَّه شيئاً
[١] سورة يوسف ١٢: ٢١- ٢٢.
[٢] سورة الأنفال ٨: ٣٠.
[٣] سورة فاطر ٣٥: ٤٣.