الإمامة الإلهية - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٤٨٤ - الفائدة الرابعة
ورتّب على ذلك ما في قوله تعالى: «لا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ» [١]. إذ يتصوّر هؤلاء أنّهم نقضوا إقامة الشريعة الظاهرة بمكرهم ودسائسهم، فأجابهم القرآن بأنّ عملهم هذا وإن كان رأس فتنة الشرّ ومكرهم تكاد تزول الجبال منه كما هو الحال في شر إبليس، إلّاأنّه في مجموع نظام الخلقة يصبّ في تحقيق أغراض الشريعة الظاهرة من دون أن يشعروا، إذ الإرادات التكوينية تأخذ مجالها نحو غايتها، وهي في نفسها غاية الشريعة بحسب الدرجتين، و هذا لا يعني نفي شرّية عملهم ولا نفي شرّية إبليس ولا مشروعيته، إلّاأنّ الباري تعالى يوظّفه في منظومة الخير كما هو الحال في العقرب والأفعى والذئب.
و هذا العالم هو عالم القضاء القدر والإرادات التكوينية قد يعبّر عنه بعالم الملائكة كما في لغة القرآن، وقد يعبّر عنه بعالم العقول والنفوس الكلّية كما في لغة الاصطلاح الفلسفي، حيث جعل العقل الأخير والعقول التي قبله تعبيراً عن القضاء، والنفس الكلّية تعبيراً عن لوح القدر، وقد يعبّر عنه بعالم الأنوار والأرواح والنفوس، مع مغايرة الثالث للثاني بأنّه أدنى درجة، كما استقرّ عليه الاصطلاح عند أهل المعرفة، أخذاً له من الشرع وهو عالم الولاية.
و هذا العالم ذو درجات متسلسلة تكويناً وقد عبّر عنه الفلاسفة بالنظام العليّ والعلمي ونظام الوجوب والعلم، مع استثناء لوح القدر حيث لا يكون مبرماً.
وقد لوحظ على الحكماء بأنّ فهمهم وإحاطتهم بهذه العوالم محدودة، ومن ثمّ لم يعكسوا لنا إلّاصورة نظام جامد يفتقد الحياة، ومن ثمّ لم يتفاعل الناس معهم كما تفاعل مع الأنبياء والأوصياء ومن بعدهم أهل المعنى، حيث قدّموا صورة مفعمة بالحياة لتلك العوالم، وأعطوا صورة عنها بأنّها موجودات حية مختارة، مع
[١] سورة فاطر ٣٥: ٤٣.