الإمامة الإلهية - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٤٣٢ - استعراض تفصيلي للآيات
كما أنّ هذا التواضع ليس من باب الخلق الحسن، بل هو من باب ما يقتضيه حقيقة العلم الذي يمتلكه الخضر والذي امتاز به عن النبيّ موسى.
الواضح من هذه الآيات أنّ العلم الذي كان لدى الخضر هو من الشريعة الكونية والسنن الإلهية في نظام التكوين؛ و ذلك لأنّه لو كانت من الظاهرة لعلم بها موسى، وإنّما سميت شريعة لأنّ فيها أوامر وإرادة إلهية كونية، وعدم تزويد موسى بها دليل على أنّها خاصّة بالبعض.
والعامّة لجمودهم وابتعادهم عن بيت الوحي والعصمة تراهم وقعوا في حيص وبيص في كيفية تصوير اختلاف العلم الذي لدى الخضر مع العلم الذي لدى نبيّ اللَّه، و هل هو من سنخ النبوّة أم غير ذلك؟ وما ذلك إلّالأنّهم لم يذعنوا بالإمامة والعلم اللدني ولم يعترفوا بمقام الولاية الذي يطّلع على المشيئة الإلهية والإرادات الإلهية، والذي يعرّف الشريعة بحسب السنن الإلهية التكوينية، وجمدوا على منصّة الشريعة الظاهرة.
«قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً» [١]، دلالة على أنّ الصبر يتصوّر مع العلم، وأنّ العلم التشريعي والنبوّة لم يُحيطا إحاطة تامّة، وأنّه لابدّ أن يزوّد الحجّة بالعلم اللدني والشريعة الكونية وهي الولاية؛ إذ لو كانت ظاهرة لما افتقدها موسى عليه السلام وشريعته عامّة، وهو وإن كان إماماً أيضاً إلّاأنّ الإمامة درجات، وكذلك اختلاف العلم اللدني الذي يزوّد به الإمام.
ويدلّ هذا المقطع على اختصاص الشريعة بحسب الدرجة الواقعية الكونية بالأولياء المصطفين المعصومين، حيث لم يزوّد بها بتمامها حتّى موسى عليه السلام فضلًا عن عموم المكلّفين.
[١] سورة الكهف ١٨: ٦٧.