الشهادة الثالثة - السند، الشيخ محمد - الصفحة ١٣١ - نظرة الصدوق
لا يبعد كون حكم الصدوق بالتفويض على رواة هذه الروايات أنه من باب التمسك بالتقية و لزوم الاتّقاء على الشيعة و قد يكون التدافع بين صدر عبارته و ذيلها تعريض و إيماء و تلويح بالتقية حيث حكم في صدر عبارته بأنها من وضع المفوضة ثم ذكر في ذيل عبارته أن من يتعاطى هذه الروايات و يعمل بها فهو متّهم بالتفويض مع أن الجزم بالوضع متوقف على الجزم أيضا بالتفويض و على الجزم بمنافاة المضمون لمسلّمات و أصول المذهب فكيف يتلائم ذلك مع عدم الجزم بالتفويض بل المظنّة بأنهم مفوضة و متهمون.
رابعا: أن ميزان التفويض و الغلو عند الصدوق قدّس سرّه و شيخه ابن الوليد و مدرسة الرواة و المحدّثين القميين يختلف عن ميزان ذلك لدى الشيخ المفيد و المرتضى و الطوسي و المدرسة البغدادية و الكوفية، فإنّ الأولى اتصفت بالحدّة و الإفراط في ذلك فأن بعضهم- كالصدوق في كتابه المزبور- يجعل نفي السهو عن المعصوم في الأفعال ذات الحكم الإلزامي أوّل درجات الغلو، و وقائع المدرسة الأولى مع كبار وجوه و فقهاء و متكلمي الطائفة و البرقي و غيرهم معروفة فلاحظ رجال الكشي و غيره، و نحن و إن نعطي النصفة و الحق للمدرسة الأولى في ذلك نظرا لأخذ الحيطة في تراث الروايات و دحرا لأيدي الوضّاع و المدلّسين عن الطمع في الجعل، إلّا أن ذلك كلّه في إطار الوقاية و الحماية لا أنه يعني صحّة كل تشددهم و حدّتهم في صرامة المباني الرجالية و الدرائية التي تضيّع هي الأخرى قسما من التراث الروائي الديني.
و لذلك خطّأ جمهور أصحابنا- حتى ابن الغضائري البغدادي المتشدد- طعن الصدوق و شيخه في عدة مواضع كما في طعنه على أصلي زيد الزراد و زيد النرسي بأنهما موضوعان من قبل محمّد بن موسى الهمداني، بأن هذين الأصلين قد رواهما الأصحاب بأسانيد مختلفة أخرى صحيحة.