البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢١٠ - ذكر ما وقع من الأمور العجيبة في حياة إسرائيل فمن ذلك قصة يوسف بن راحيل
طلبت تحقيق هذا ليعلم العزيز أنى لم أخنه بظهر الغيب. و قيل إنه من تمام كلام زليخا أي إنما اعترفت بهذا ليعلم زوجي أنى لم أخنه في نفس الأمر و إنما كان مراده لم يقع معها فعل فاحشة و هذا القول هو الّذي نصره طائفة كثيرة من أئمة المتأخرين و غيرهم و لم يحك ابن جرير و ابن أبى حاتم سوى الأول. (وَ ما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ) قيل إنه من كلام يوسف و قيل من كلام زليخا و هو مفرع على القولين الأولين. و كونه من تمام كلام زليخا أظهر و أنسب و أقوى و اللَّه أعلم (وَ قالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ. قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ. وَ كَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ وَ لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ. وَ لَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَ كانُوا يَتَّقُونَ). لما ظهر للملك براءة عرضه و نزاهة ساحته عما كانوا أظهروا عنه مما نسبوه اليه (قالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي) أي أجعله من خاصتي و من أكابر دولتي و من أعيان حاشيتي فلما كلمه و سمع مقاله و تبين حاله (قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ) أي ذو مكانة و أمانة (قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ) طلب أن يوليه النظر فيما يتعلق بالاهراء لما يتوقع من حصول الخلل فيما بعد مضى سبع سنى الخصب لينظر فيها بما يرضى اللَّه في خلقه من الاحتياط لهم و الرّفق بهم و أخبر الملك إنه حفيظ أي قوى على حفظ ما لديه أمين عليه عليم بضبط الأشياء و مصالح الاهراء و في هذا دليل على جواز طلب الولاية لمن علم من نفسه الأمانة و الكفاءة* و عند أهل الكتاب أن فرعون عظيم يوسف (عليه السلام) جدا و سلطه على جميع أرض مصر و ألبسه خاتمه و ألبسه الحرير و طوقه الذهب و حمله على مركبه الثاني و نودي بين يديه أنت رب و مسلط و قال له لست أعظم منك إلا بالكرسي. قالوا و كان يوسف إذ ذاك ابن ثلاثين سنة و زوجه امرأة عظيمة الشأن.
و حكى الثعلبي أنه عزل قطفير عن وظيفته و ولاها يوسف. و قيل إنه لما مات زوجه امرأته زليخا فوجدها عذراء لأن زوجها كان لا يأتى النساء فولدت ليوسف (عليه السلام) رجلين و هما أفرايم و منشا قال و استوثق ليوسف ملك مصر و عمل فيهم بالعدل فأحبه الرجال و النساء.
و حكى أن يوسف كان يوم دخل على الملك عمره ثلاثين سنة و أن الملك خاطبه بسبعين لغة و كل ذلك يجاوبه بكل لغة منها فأعجبه ذلك مع حداثة سنه فاللَّه أعلم* قال اللَّه تعالى وَ كَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ) أي بعد السجن و الضيق و الحصر صار مطلق الركاب بديار مصر (يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ) أي أين شاء حل منها مكرما محسودا معظما (نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ وَ لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) أي هذا كله من جزاء اللَّه و ثوابه للمؤمن مع ما يدخر له في آخرته من الخير الجزيل و الثواب الجميل. و لهذا قال (وَ لَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَ كانُوا يَتَّقُونَ) و يقال إن أطفير زوج