البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٧٦ - باب ما ورد في خلق آدم (عليه السلام)
أبو عبد اللَّه الرازيّ في تفسيره في هذه المسألة أربعة أقوال هذه الثلاثة التي أوردها الماوردي. و رابعها الوقف* و حكى القول بأنها في السماء و ليست جنة المأوى عن ابى على الجبائي. و قد أورد أصحاب القول الثاني سؤالا يحتاج مثله الى جواب فقالوا لا شك أن اللَّه سبحانه و تعالى طرد إبليس حين امتنع من السجود عن الحضرة الإلهية و أمره بالخروج عنها و الهبوط منها و هذا الأمر ليس من الأوامر الشرعية بحيث يمكن مخالفته و انما هو امر قدري لا يخالف و لا يمانع و لهذا قال اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً مَدْحُوراً و قال فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها و قال فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ و الضمير عائد الى الجنة أو السماء أو المنزلة و أياما كان فمعلوم أنه ليس له الكون قدرا في المكان الّذي طرد عنه و أبعد منه لا على سبيل الاستقرار و لا على سبيل المرور و الاجتياز* قالوا و معلوم من ظاهر سياقات القرآن أنه وسوس لآدم و خاطبه بقوله له هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَ مُلْكٍ لا يَبْلى و بقوله ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ. أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ. وَ قاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ. فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ الآية و هذا ظاهر في اجتماعه معهما في جنتهما. و قد أجيبوا عن هذا بانه لا يمتنع أن يجتمع بهما في الجنة على سبيل المرور فيها لا على سبيل الاستقرار بها أو أنه وسوس لهما و هو على باب الجنة أو من تحت السماء. و في الثلاثة نظر. و اللَّه أعلم.
و مما احتج به أصحاب هذه المقالة ما رواه عبد اللَّه بن الامام احمد في الزيادات عن هدبة بن خالد عن حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن البصري عن يحيى بن ضمرة السعدي عن أبى بن كعب قال (ان آدم لما احتضر اشتهى قطفا من عنب الجنة. فانطلق بنوه ليطلبوه له. فلقيتهم الملائكة فقالوا اين تريدون يا بنى آدم فقالوا إن أبانا اشتهى قطفا من عنب الجنة. فقالوا لهم (ارجعوا فقد كفيتموه) فانتهوا اليه فقبضوا روحه و غسلوه و حنطوه و كفنوه و صلى عليه جبريل و من خلفه من الملائكة و دفنوه. و قالوا.
(هذه سنتكم في موتاكم) و سيأتي الحديث بسنده. و تمام لفظه عند ذكر وفاة آدم (عليه السلام). قالوا فلو لا انه كان الوصول الى الجنة التي كان فيها آدم التي اشتهى منها القطف ممكنا لما ذهبوا يطلبون ذلك فدل على أنها في الأرض لا في السماء و اللَّه تعالى أعلم* قالوا و الاحتجاج بان الألف و اللام في قوله و يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَ زَوْجُكَ الْجَنَّةَ لم يتقدم عهد يعود عليه فهو المعهود الذهني مسلم و لكن هو ما دل عليه سياق الكلام فان آدم خلق من الأرض و لم ينقل أنه رفع الى السماء و خلق ليكون في الأرض و بهذا اعلم الرب الملائكة حيث قال إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالوا و هذا كقوله تعالى إِنَّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ فالألف و اللام ليس للعموم و لم يتقدم معهود لفظي و انما هي للمعهود الذهني الّذي دل عليه السياق و هو البستان.
قالوا و ذكر الهبوط لا يدل على النزول من السماء قال اللَّه تعالى قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَ بَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَ عَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ الآية و انما كان في السفينة حين استقر على الجودي و نضب الماء