البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٥٠ - ذكر هجرة الخليل (عليه السلام) الى بلاد الشام و دخوله الديار المصرية و استقراره في الأرض المقدسة
فيها من عبادة ربه عز و جل و دعوة الخلق اليه و الأرض التي قصدها بالهجرة أرض الشام و هي التي قال اللَّه عز و جل إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ قاله أبى بن كعب و أبو العالية و قتادة و غيرهم* و روى العوفيّ عن ابن عباس قوله إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ مكة أ لم تسمع الى قوله إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَ هُدىً لِلْعالَمِينَ.
و زعم كعب الأحبار أنها حران* و قد قدمنا عن نقل أهل الكتاب أنه خرج من أرض بابل هو و ابن أخيه لوط و أخوه ناحور و امرأة إبراهيم سارة و امرأة أخيه ملكا فنزلوا حران فمات تارح أبو إبراهيم بها و قال السدي انطلق إبراهيم و لوط قبل الشام فلقى إبراهيم سارة و هي ابنة ملك حران و قد طعنت على قومها في دينهم فتزوجها على أن لا يغيرها رواه ابن جرير و هو غريب* و المشهور أنها ابنة عمه هاران الّذي تنسب اليه حران و من زعم أنها ابنة أخيه هاران أخت لوط كما حكاه السهيليّ عن القتيبي و النقاش فقد أبعد النجعة و قال بلا علم و ادعى ان تزويج بنت الأخ كان إذ ذاك مشروعا فليس له على ذلك دليل. و لو فرض ان هذا كان مشروعا في وقت كما هو منقول عن الربانيين من اليهود فان الأنبياء لا تتعاطاه و اللَّه أعلم* ثم المشهور ان إبراهيم (عليه السلام) لما هاجر من بابل خرج بسارة مهاجرا من بلاده كما تقدم و اللَّه أعلم. و ذكر أهل الكتاب أنه لما قدم الشام أوحى اللَّه اليه إني جاعل هذه الأرض لخلفك من بعدك فابتنى إبراهيم مذبحا للَّه شكرا على هذه النعمة و ضرب قبته شرقى بيت المقدس ثم انطلق مرتحلا الى التيمن و أنه كان جوع أي قحط و شدة و غلاء فارتحلوا الى مصر و ذكروا قصة سارة مع ملكها و ان إبراهيم قال لها قولي أنا أخته و ذكروا خدام الملك إياها هاجر. ثم أخرجهم منها فرجعوا الى بلاد التيمن يعنى أرض بيت المقدس و ما والاها و معه دواب و عبيد و أموال* و قد قال البخاري حدثنا محمد بن محبوب حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن محمد عن أبى هريرة قال لم يكذب إبراهيم الا ثلاث كذبات ثنتان منهن في ذات اللَّه قوله (إِنِّي سَقِيمٌ) و قوله (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا) و قال بينا هو ذات يوم و سارة إذ أتى على جبار من الجبابرة فقيل له هاهنا رجل معه امرأة من أحسن الناس فأرسل اليه و سأله عنها فقال من هذه قال أختى فأتى سارة فقال يا سارة ليس على وجه الأرض مؤمن غيري و غيرك و إن هذا سألني فأخبرته أنك أختى فلا تكذبيني فأرسل اليها فلما دخلت عليه ذهب يتناولها بيده فأخذ فقال ادعى اللَّه لي و لا أضرك فدعت اللَّه فأطلق ثم تناولها الثانية فأخذ مثلها أو أشد فقال ادعى اللَّه لي و لا أضرك فدعا بعض حجبته فقال إنك لم تأتنى بإنسان و انما أتيتنى بشيطان فأخدمها هاجر فأتته و هو قائم يصلى فأومأ بيده مهيم فقالت رد اللَّه كيد الكافر أو الفاجر في نحره و أخدم هاجر* قال أبو هريرة فتلك أمكم يا بنى ماء السماء. تفرد به من هذا الوجه موقوفا* و قد رواه الحافظ أبو بكر البزار عن عمرو بن على الفلاس عن عبد الوهاب الثقفي عن هشام بن حسان عن محمد