البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٥٤ - ذكر قصة موسى الكليم عليه الصلاة و التسليم
الصحيحة المستقيمة و الفطر القويمة غير السقيمة فهو تعالى الخالق الرازق. و كما قال تعالى يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَ السَّماءَ بِناءً وَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ و لما ذكر أحياء الأرض بالمطر و اهتزازها بإخراج نباتها فيه نبه به على المعاد فقال منها أي من الأرض خلقناكم وَ فِيها نُعِيدُكُمْ وَ مِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى كما قال تعالىكَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ و قال تعالى وَ هُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَ هُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَ لَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ثم قال تعالى وَ لَقَدْ أَرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها فَكَذَّبَ وَ أَبى قالَ أَ جِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِنْ أَرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَ بَيْنَكَ مَوْعِداً لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَ لا أَنْتَ مَكاناً سُوىً. قالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَ أَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى يخبر تعالى عن شقاء فرعون و كثرة جهله و قلة عقله في تكذيبه بآيات اللَّه و استكباره عن إتباعها و قوله لموسى إن هذا الّذي جئت به سحر و نحن نعارضك بمثله ثم طلب من موسى أن يواعده الى وقت معلوم و مكان معلوم و كان هذا من أكبر مقاصد موسى (عليه السلام) أن يظهر آيات اللَّه و حججه و براهينه جهرة بحضرة الناس و لهذا قال مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ و كان يوم عيد من أعيادهم و مجتمع لهم وَ أَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى أي من أول النهار في وقت اشتداد ضياء الشمس فيكون الحق أظهر و أجلى و لم يطلب أن يكون ذلك ليلا في ظلام كيما يروج عليهم محالا و باطلا بل طلب أن يكون نهارا جهرة لانه على بصيرة من ربه و يقين أن اللَّه سيظهر كلمته و دينه و إن رغمت أنوف القبط. قال اللَّه تعالى فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتى قالَ لَهُمْ مُوسى وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ وَ قَدْ خابَ مَنِ افْتَرى فَتَنازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَ أَسَرُّوا النَّجْوى. قالُوا إِنْ هذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أَنْ يُخْرِجاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِما وَ يَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَ قَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى يخبر تعالى عن فرعون أنه ذهب فجمع من كان ببلاده من السحرة و كانت بلاد مصر في ذلك الزمان مملوءة سحرة فضلاء في فنهم غاية فجمعوا له من كل بلد و من كل مكان فاجتمع منهم خلق كثير و جم غفير فقيل كانوا ثمانين ألفا قاله محمد بن كعب* و قيل سبعين ألفا قاله القاسم بن أبى بردة. و قال السدي بضعة و ثلاثين ألفا. و عن أبى أمامة تسعة عشر ألفا و قال محمد بن إسحاق خمسة عشر ألفا. و قال كعب الأحبار كانوا اثنى عشر ألفا* و روى ابن أبى حاتم عن ابن عباس كانوا سبعين رجلا و روى عنه أيضا أنهم كانوا أربعين غلاما من بنى إسرائيل أمرهم فرعون أن يذهبوا الى العرفاء فيتعلموا السحر و لهذا قالوا و ما أكرهتنا عليه من السحر و في هذا نظر.
و حضر فرعون و أمراؤه و أهل دولته و أهل بلده عن بكرة أبيهم. و ذلك أن فرعون نادى فيهم أن