البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٩٩ - قصة موسى و الخضر (عليهما السلام)
لمن ذكر النار لم ضحك و عجبت لمن ذكر الموت كيف غفل لا إله إلا اللَّه. و هكذا روى عن الحسن البصري و عمر مولى عفرة و جعفر الصادق نحو هذا و قوله وَ كانَ أَبُوهُما صالِحاً و قد قيل إنه كان الأب السابع و قيل العاشر. و على كل تقدير فيه دلالة على أن الرجل الصالح يحفظ في ذريته فاللَّه المستعان. و قوله رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ دليل على أنه كان نبيا و أنه ما فعل شيئا من تلقاء نفسه بل بأمر ربه فهو نبي و قيل رسول و قيل ولى و اغرب من هذا من قال كان ملكا قلت و قد أغرب جدا من قال هو ابن فرعون و قيل إنه ابن ضحاك الّذي ملك الدنيا ألف سنة. قال ابن جرير و الّذي عليه جمهور أهل الكتاب أنه كان في زمن أفريدون و يقال إنه كان على مقدمة ذي القرنين الّذي قيل إنه كان أفريدون و ذو الفرس هو الّذي كان في زمن الخليل. و زعموا أنه شرب من ماء الحياة فخلد و هو باق الى الآن. و قيل إنه من ولد بعض من آمن بإبراهيم و هاجر معه من ارض بابل و قيل اسمه ملكان و قيل أرميا بن خلقيا و قيل كان نبيا في زمن سباسب بن لهراسب قال ابن جرير و قد كان بين أفريدون و بين سباسب دهور طويلة لا يجهلها أحد من أهل العلم بالأنساب قال ابن جرير و الصحيح أنه كان في زمن أفريدون و استمر حيا إلى أن أدركه موسى (عليه السلام) و كانت نبوة موسى في زمن منو شهر الّذي هو من ولد إيرج بن أفريدون أحد ملوك الفرس و كان اليه الملك بعد جده أفريدون لعهده و كان عادلا و هو أول من خندق الخنادق و أول من جعل في كل قرية دهقانا و كانت مدة ملكه قريبا من مائة و خمسين سنة و يقال انه كان من سلالة إسحاق بن إبراهيم و قد ذكر عنه من الخطب الحسان و الكليم البليغ النافع الفصيح ما يبهر العقل و يحير السامع و هذا يدل على أنه من سلالة الخليل. و اللَّه أعلم. و قد قال اللَّه تعالى وَ إِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَ حِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَ لَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَ أَقْرَرْتُمْ الآية فأخذ اللَّه ميثاق كل نبي على أن يؤمن بمن يجيء بعده من الأنبياء و ينصره فلو كان الخضر حيا في زمانه لما وسعه إلا اتباعه و الاجتماع به و القيام بنصره و لكان من جملة من تحت لوائه يوم بدر كما كان تحتها جبريل و سادات من الملائكة و قصارى الخضر (عليه السلام) أن يكون نبيا و هو الحق أو رسولا كما قيل أو ملكا فيما ذكر و أيا ما كان فجبريل رئيس الملائكة و موسى أشرف من الخضر و لو كان حيا لوجب عليه الايمان بمحمد و نصرته فكيف ان كان الخضر وليا كما يقوله طوائف كثيرون فأولى أن يدخل في عموم البعثة و أحرى و لم ينقل في حديث حسن بل و لا ضعيف يعتمد أنه جاء يوما واحدا الى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و لا اجتمع به و ما ذكر من حديث التعزية فيه و ان كان الحاكم قد رواه فاسناده ضعيف و اللَّه أعلم و سنفرد لخضر ترجمة على حدة بعد هذا