البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٠٢ - ذكر الحديث الملقب بحديث الفتون المتضمن قصة موسى مبسوطة من أولها الى آخرها
و اجتنب الجمرتين عرفت أنه يعقل و ان تناول الجمرتين و لم يرد اللؤلؤتين علمت أن أحدا لا يؤثر الجمرتين على اللؤلؤتين و هو يعقل فقرب اليه فتناول الجمرتين فانتزعهما منه مخافة أن يحرقا يده فقالت المرأة ألا ترى فصرفه اللَّه عنه بعد ما كان هم به و كان اللَّه بالغا فيه أمره. فلما بلغ أشده و كان من الرجال لم يكن أحد من آل فرعون يخلص الى أحد من بنى إسرائيل معه بظلم و لا سخرة حتى امتنعوا كل الامتناع. فبينما موسى (عليه السلام) يمشى في ناحية المدينة إذا هو برجلين يقتتلان أحدهما فرعوني و الآخر إسرائيلي فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني فغضب موسى غضبا شديدا لأنه تناوله و هو يعلم منزلته من بنى إسرائيل و حفظه لهم ما لم يطلع عليه غيره فوكز موسى الفرعوني فقتله و ليس يراهما أحد إلا اللَّه عز و جل و الإسرائيلي فقال موسى حين قتل الرجل هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ ثم قال رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ قالَ رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفاً يَتَرَقَّبُ الاخبار فأتى فرعون فقيل له إن بنى إسرائيل قتلوا رجلا من آل فرعون فخذ لنا بحقنا و لا ترخص لهم فقال ابغوني قاتله من يشهد عليه فان الملك و ان كان صفوه مع قومه لا ينبغي له أن يقتل بغير بينة و لا ثبت فاطلبوا لي علم ذلك آخذ لكم بحقكم فبينما هم يطوفون لا يجدون بينة إذا موسى من الغد قد رأى ذلك الإسرائيلي يقاتل رجلا من آل فرعون آخر فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني فصادف موسى قد ندم على ما كان منه و كره الّذي رأى فغضب الإسرائيلي و هو يريد أن يبطش بالفرعوني فقال للاسرائيلى لما فعل بالأمس و اليوم إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ فنظر الإسرائيلي الى موسى بعد ما قال له ما قال فإذا هو غضبان كغضبه بالأمس الّذي قتل فيه الفرعوني فخاف أن يكون بعد ما قال له إنك لغويّ مبين أن يكون إياه أراد و لم يكن أراده انما أراد الفرعوني فخاف الإسرائيلي* و قال موسى أ تريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس و انما قال له مخافة أن يكون إياه أراد موسى ليقتله فتتاركا و انطلق الفرعوني فأخبرهم بما سمع من الإسرائيلي من الخبر حين يقول أ تريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس فأرسل فرعون الذباحين ليقتلوا موسى فأخذ رسل فرعون الطريق الأعظم يمشون على هينتهم يطلبون موسى و هم لا يخافون ان يفوتهم فجاء رجل من شيعة موسى من أقصى المدينة فاختصر طريقا حتى سبقهم الى موسى فأخبره. و ذلك من الفتون يا ابن جبير فخرج موسى متوجها نحو مدين لم يلق بلاء قبل ذلك و ليس له بالطريق علم إلا حسن ظنه بربه عز و جل فإنه قال عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ. وَ لَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ يعنى بذلك حابستين غنمهما فقال لهما ما خَطْبُكُما معتزلتين لا تسقيان مع الناس قالتا ليس لنا قوة تزاحم القوم و إنما ننتظر فضول حياضهم فسقى لهما فجعل يغرف من الدلو ماء كثيرا حتى كان أول الرعاء و انصرفتا بغنمهما الى أبيهما و انصرف موسى فاستظل بشجرة و قال رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ و استنكر أبوهما سرعة صدورهما بغنمهما حفلا بطانا فقال ان لكما اليوم لشأنا فأخبرتاه بما