البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢١٤ - ذكر ما وقع من الأمور العجيبة في حياة إسرائيل فمن ذلك قصة يوسف بن راحيل
شَيْخاً كَبِيراً فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ قالَ مَعاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إِنَّا إِذاً لَظالِمُونَ) أي إن أطلقنا المتهم و أخذنا البريء. هذا ما لا نفعله و لا نسمح به و إنما نأخذ من وجدنا متاعنا عنده.
و عند أهل الكتاب أن يوسف تعرف اليهم حينئذ و هذا مما غلطوا فيه و لم يفهموه جدا (فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قالَ كَبِيرُهُمْ أَ لَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَباكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ وَ مِنْ قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَ هُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ. ارْجِعُوا إِلى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يا أَبانا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَ ما شَهِدْنا إِلَّا بِما عَلِمْنا وَ ما كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ. وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها وَ الْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها وَ إِنَّا لَصادِقُونَ. قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ. وَ تَوَلَّى عَنْهُمْ وَ قالَ يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ وَ ابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ قالُوا تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ. قالَ إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَ حُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَ أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ. يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَ أَخِيهِ وَ لا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ) يقول تعالى مخبرا عنهم أنهم لما استيأسوا من أخذه منه خلصوا يتناجون فيما بينهم قال كبيرهم و هو روبيل (أَ لَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَباكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ ... لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ) لقد أخلفتم عهده و فرطتم فيه كما فرطتم في أخيه يوسف من قبله فلم يبق لي وجه أقابله به (فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ) أي لا أزال مقيما هاهنا (حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي) في القدوم عليه (أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي) بأن يقدرنى على رد أخى الى أبى (وَ هُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ. ارْجِعُوا إِلى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يا أَبانا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ) أي اخبروه بما رأيتم من الأمر في لظاهر المشاهدة (وَ ما شَهِدْنا إِلَّا بِما عَلِمْنا وَ ما كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ. وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها وَ الْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها) أي فان هذا الّذي أخبرناك به من أخذهم أخانا لأنه سرق أمر اشتهر بمصر و علمه العير التي كنا نحن و هم هناك (وَ إِنَّا لَصادِقُونَ قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ) أي ليس الأمر كما ذكرتم لم يسرق فإنه ليس سجية له و لا خلقه و انما سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل قال ابن إسحاق و غيره لما كان التفريط منهم في بنيامين مترتبا على صنيعهم في يوسف قال لهم ما قال و هذا كما قال بعض السلف إن من جزاء السيئة السيئة بعدها ثم قال (عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً) يعنى يوسف و بنيامين و روبيل (إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ) أي بحالي و ما أنا فيه من فراق الأحبة (الْحَكِيمُ) فيما يقدره و يفعله و له الحكمة البالغة و الحجة القاطعة (وَ تَوَلَّى عَنْهُمْ) أي أعرض عن بنيه (وَ قالَ يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ) ذكره حزنه الجديد بالحزن القديم و حرك ما كان كامنا كما قال بعضهم.
نقل فؤادك حيث شئت من الهوى* * * ما الحب إلا للحبيب الأول