البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٥٤ - فصل
أبى هريرة و أبى سعيد عن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم). قال ما اجتمع قوم يذكرون اللَّه الا حفتهم الملائكة و غشيتهم الرحمة و نزلت عليهم السكينة و ذكرهم اللَّه فيمن عنده* و كذا رواه أيضا من حديث إسرائيل و سفيان الثوري و شعبة عن أبى إسحاق به نحوه* و رواه مسلم من حديث شعبة و الترمذي من حديث الثوري و قال حسن صحيح* و رواه ابن ماجة عن أبى بكر بن ابى شيبة عن يحيى بن آدم عن عمار بن زريق عن أبى إسحاق باسناد نحوه
* و في هذا المعنى أحاديث كثيرة* و في مسند الامام أحمد و السنن عن أبى الدرداء مرفوعا (و إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع) أي تتواضع له كما قال تعالى وَ اخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ و قال تعالى وَ اخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ و
قال الامام أحمد حدثنا وكيع عن سفيان عن عبد اللَّه بن السائب عن زاذان عن عبد اللَّه ابن مسعود أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال إن للَّه ملائكة سياحين في الأرض ليبلغونى عن أمتي السلام* و هكذا رواه النسائي من حديث سفيان الثوري و سليمان الأعمش كلاهما عن عبد اللَّه بن السائب به
* و
قال الامام أحمد. حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) خلقت الملائكة من نور و خلق الجان من مارج من نار و خلق آدم مما وصف لكم* و هكذا رواه مسلم عن محمد بن رافع و عبدة بن حميد كلاهما عن عبد الرزاق به.
و الأحاديث في ذكر الملائكة كثيرة جدا* و قد ذكرنا ما يسره اللَّه تعالى و له الحمد*
فصل
و قد اختلف الناس في تفضيل الملائكة على البشر على أقوال. فأكثر ما توجد هذه المسألة في كتب المتكلمين و الخلاف فيها مع المعتزلة و من وافقهم و أقدم كلام رأيته في هذه المسألة ما ذكره الحافظ بن عساكر في تاريخه في ترجمة أمية بن عمرو بن سعيد بن العاص انه حضر مجلسا لعمر بن عبد العزيز و عنده جماعة فقال عمر ما أحد أكرم على اللَّه من كريم بنى آدم. و استدل بقوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ و وافقه على ذلك أمية بن عمرو بن سعيد فقال عراك ابن مالك ما أحد أكرم على اللَّه من ملائكته هم خدمة داريه و رسله الى أنبيائه. و استدل بقوله تعالى ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ فقال عمر بن عبد العزيز لمحمد بن كعب القرظي ما تقول أنت يا أبا حمزة* فقال قد أكرم اللَّه آدم فخلقه بيده و نفخ فيه من روحه و أسجد له الملائكة و جعل من ذريته الأنبياء و الرسل و من يزوره الملائكة* فوافق عمر بن عبد العزيز في الحكم و استدل بغير دليله* و أضعف دلالة ما صرح به من الآية و هو قوله إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ مضمونه أنها ليست بخاصة بالبشر* فان اللَّه قد وصف الملائكة بالايمان في