البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٠٧ - ذكر ما وقع من الأمور العجيبة في حياة إسرائيل فمن ذلك قصة يوسف بن راحيل
الْواحِدُ الْقَهَّارُ ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَ آباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ) أي هو المتصرف في خلقه الفعال لما يريد الّذي يهدى من يشاء و يضل من يشاء (أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ) أي وحده لا شريك له و (ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ) أي المستقيم و الصراط القويم (وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) أي فهم لا يهتدون اليه مع وضوحه و ظهوره و كانت دعوته لهما في هذه الحال في غاية الكمال لأن نفوسهما معظمة له منبعثة على تلقى ما يقول بالقبول فناسب أن يدعوهما الى ما هو الأنفع لهما مما سألا عنه و طلبا منه* ثم لما قام بما وجب عليه و ارشد الى ما أرشد اليه قال (يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً) قالوا و هو الساقي (وَ أَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ) قالوا و هو الخباز (قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ) أي وقع هذا لا محالة و وجب كونه على حالة و لهذا جاء في الحديث (الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر فإذا عبرت وقعت).
و قد روى عن بن مسعود و مجاهد و عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (أنهما قالا لم نر شيئا) فقال لهما (قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ. وَ قالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ). يخبر تعالى أن يوسف (عليه السلام) قال للذي ظنه ناجيا منهما و هو الساقي (اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ) يعنى اذكر أمرى و ما أنا فيه من السجن بغير جرم عند الملك* و في هذا دليل على جواز السعي في الأسباب* و لا ينافي ذلك التوكل على رب الأرباب. و قوله (فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ) أي فأنسى الناجي منهما الشيطان. أن يذكر ما وصاه به يوسف (عليه السلام)* قاله مجاهد و محمد بن إسحاق و غير واحد و هو الصواب و هو منصوص أهل الكتاب (فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ) و البضع ما بين الثلاث الى التسع* و قيل الى السبع* و قيل الى الخمس* و قيل ما دون العشرة. حكاها الثعلبي* و يقال يضع نسوة و بضعة رجال* و منع الفراء استعمال البضع فيما دون العشر قال و إنما يقال نيف. و قال اللَّه تعالى فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ و قال تعالى في بِضْعَ سِنِينَ و هذا رد لقوله* قال الفراء و يقال بضعة عشر و بضعة و عشرون الى التسعين و لا يقال بضع و مائة و بضع و ألف و خالف الجوهري فيما زاد على بضعة عشر فمنع أن يقال بضعة و عشرون الى تسعين* و في الصحيح (الايمان بضع و ستون) و في رواية و سبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا اللَّه و أدناها إماطة الأذى عن الطريق و من قال إن الضمير في قوله (فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ) عائد على يوسف فقد ضعف ما قاله و ان كان قد روى عن ابن عباس و عكرمة و الحديث الّذي رواه ابن جرير في هذا الموضع ضعيف من كل وجه* تفرد باسناده إبراهيم بن يزيد الخوزي [١] المكيّ و هو متروك. و مرسل الحسن و قتادة لا يقبل و لا هاهنا بطريق الأولى و الأحرى و اللَّه أعلم.
[١] في نسخة خوذى و في أخرى خورى و الصواب الخوزي