البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٠٨ - ذكر ما وقع من الأمور العجيبة في حياة إسرائيل فمن ذلك قصة يوسف بن راحيل
فاما قول ابن حبان في صحيحه ذكر السبب الّذي من أجله لبث يوسف في السجن ما لبث
أخبرنا الفضل بن الحباب الجمحيّ ثنا مسدد بن مسرهد ثنا خالد بن عبد اللَّه ثنا محمد بن عمرو عن أبى سلمة عن أبى هريرة قال قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) رحم اللَّه يوسف لو لا الكلمة التي قالها اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ ما لبث في السجن ما لبث و رحم اللَّه لوطا أن كان ليأوى الى ركن شديد إذ قال لقومه لو أن لي بكم قوة أو آوى الى ركن شديد قال فما بعث اللَّه نبيا بعده إلا في ثروة من قومه.
فإنه حديث منكر من هذا الوجه و محمد بن عمرو بن علقمة له أشياء ينفرد بها و فيها نكارة و هذه اللفظة من أنكرها و أشدها. و الّذي في الصحيحين يشهد بغلطها و اللَّه أعلم. (وَ قالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَ سَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَ أُخَرَ يابِساتٍ. يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ. قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ وَ ما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ. وَ قالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما وَ ادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ. يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنا فِي سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَ سَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَ أُخَرَ يابِساتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ. قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ. ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ. ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ وَ فِيهِ يَعْصِرُونَ) هذا كان من جملة أسباب خروج يوسف (عليه السلام) من السجن على وجه الاحترام و الاكرام و ذلك أن ملك مصر و هو الريان بن الوليد بن ثروان بن اراشه [١] بن فاران بن عمرو بن عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح رأى هذه الرؤيا. قال أهل الكتاب رأى كأنه على حافة نهر و كأنه قد خرج منه سبع بقرات سمان فجعلن يرتعن في روضة هناك فخرجت سبع هزال ضعاف من ذلك النهر فرتعن معهن ثم ملن عليهنّ فاكلنهن فاستيقظ مذعورا. ثم نام فرأى سبع سنبلات خضر في قصبة واحدة و إذا سبع أخر دقاق يابسات فأكلنهن فاستيقظ مذعورا. فلما قصها على ملئه و قومه لم يكن فيهم من يحسن تعبيرها بل (قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ) أي أخلاط أحلام من الليل لعلها لا تعبير لها و مع هذا فلا خبرة لنا بذلك و لهذا قالوا (وَ ما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ) فعند ذلك تذكر الناجي منهما الّذي وصاه يوسف بأن يذكره عند ربه فنسيه الى حينه هذا. و ذلك عن تقدير اللَّه عز و جل و له الحكمة في ذلك فلما سمع رؤيا الملك و رأى عجز الناس عن تعبيرها تذكر أمر يوسف و ما كان أوصاه به من التذكار. و لهذا قال تعالى وَ قالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما وَ ادَّكَرَ أي تذكر (بَعْدَ أُمَّةٍ) أي بعد مدة من الزمان و هو بضع سنين و قرأ بعضهم كما حكى عن ابن عباس و عكرمة و الضحاك (وَ ادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ) أي بعد نسيان و قرأها مجاهد (بَعْدَ أُمَّةٍ) بإسكان الميم و هو النسيان أيضا يقال أمه الرجل يأمه أمها و أمها إذا نسي قال الشاعر.
[١] في النسخة الحلبية ابن اراثية