البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٥٧ - قصة الذبيح
اللفظ لا ينافي الزيادة على الثمانين. و اللَّه أعلم لما سيأتي من الحديث عند ذكر وفاته
عن أبى هريرة عن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أنه قال اختتن إبراهيم و هو ابن مائة و عشرين سنة و عاش بعد ذلك ثمانين سنة. رواه ابن حبان في صحيحه.
و ليس في هذا السياق ذكر قصة الذبيح و انه إسماعيل و لم يذكر في قدمات إبراهيم (عليه السلام) الا ثلاث مرات أولاهن بعد أن تزوج إسماعيل بعد موت هاجر و كيف تركهم من حين صغر الولد على ما ذكر الى حين تزويجه لا ينظر في حالهم. و قد ذكر أن الأرض كانت تطوى له و قيل إنه كان يركب البراق إذا سار اليهم فكيف يتخلف عن مطالعة حالهم و هم في غاية الضرورة الشديدة و الحاجة الأكيدة* و كان بعض هذا السياق متلقى من الإسرائيليات و مطرز بشيء من المرفوعات و لم يذكر فيه قصة الذبيح و قد دللنا على ان الذبيح هو إسماعيل على الصحيح في سورة الصافات
قصة الذبيح
قال اللَّه تعالى وَ قالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ. رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ. فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ما ذا تَرى قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ. فَلَمَّا أَسْلَما وَ تَلَّهُ لِلْجَبِينِ. وَ نادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ. إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ. وَ فَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ. وَ تَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ. سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ. كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ. وَ بَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ. وَ بارَكْنا عَلَيْهِ وَ عَلى إِسْحاقَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ). يذكر تعالى عن خليله إبراهيم أنه لما هاجر من بلاد قومه سأل ربه ان يهب له ولدا صالحا فبشره اللَّه تعالى بغلام حليم و هو إسماعيل (عليه السلام) لانه أول من ولد له على رأس ست و ثمانين سنة من عمر الخليل. و هذا ما لا خلاف فيه بين أهل الملل لأنه أول ولده و بكرة و قوله فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ أي شب و صار يسعى في مصالحه كأبيه قال مجاهد فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ أي شب و ارتحل و أطاق ما يفعله أبوه من السعي و العمل. فلما كان هذا رئي إبراهيم (عليه السلام) في المنام أنه يؤمر بذبح ولده* هذا. و في الحديث عن ابن عباس مرفوعا رؤيا الأنبياء وحي* قاله عبيد ابن عمير أيضا و هذا اختبار من اللَّه عز و جل لخليله في أن يذبح هذا الولد العزيز الّذي جاءه على كبر و قد طعن في السن بعد ما أمر بان يسكنه هو و أمه في بلاد قفر و واد ليس به حسيس و لا أنيس و لا زرع و لا ضرع فامتثل أمر اللَّه في ذلك و تركهما هناك ثقة باللَّه و توكلا عليه فجعل اللَّه لهما فرجا و مخرجا و رزقهما من حيث لا يحتسبان. ثم لما أمر بعد هذا كله بذبح ولده هذا الّذي قد أفرده عن امر ربه و هو بكرة و وحيده الّذي ليس له غيره أجاب ربه و امتثل أمره و سارع الى طاعته ثم عرض ذلك على ولده ليكون أطيب لقلبه و أهون عليه من أن يأخذه قسرا و يذبحه قهرا قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ