البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١١٢ - * قصة نوح (عليه السلام)
و عن كعب الأحبار كانوا اثنين و سبعين نفسا. و قيل كانوا عشرة و قيل انما كانوا نوحا و بنيه الثلاثة و كنائنته الأربع بامرأة يام الّذي انخزل و انعزل و سلل عن طريق النجاة فما عدل إذ عدل. و هذا القول فيه مخالفة لظاهر الآية بل هي نص في انه قد ركب معه غير أهله طائفة ممن آمن به كما قال (وَ نَجِّنِي وَ مَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) و قيل كانوا سبعة و أما امرأة نوح و هي أم أولاده كلهم و هم حام و سام و يافث و يام و تسميه أهل الكتاب كعنان و هو الّذي قد غرق و عابر و قد ماتت قبل الطوفان. قيل إنها غرقت مع من غرق و كانت ممن سبق عليه القول لكفرها و عند أهل الكتاب أنها كانت في السفينة فيحتمل انها كفرت بعد ذلك أو أنها أنظرت ليوم القيامة و الظاهر الأول لقوله (لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً) قال اللَّه تعالى فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَ مَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ. وَ قُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكاً وَ أَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ أمره أن يحمد ربه على ما سخر له من هذه السفينة فنجاه بها و فتح بينه و بين قومه و أقر عينه ممن خالفه و كذبه كما قال تعالى الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها وَ جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَ الْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ. لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَ تَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَ ما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَ إِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ). و هكذا يؤمر بالدعاء في ابتداء الأمور أن يكون على الخير و البركة و أن تكون عاقبتها محمودة كما قال تعالى لرسوله (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حين هاجر وَ قُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَ أَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَ اجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً و قد امتثل نوح (عليه السلام) هذه الوصية وَ قالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَ مُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ أي على اسم اللَّه ابتداء سيرها و انتهاؤه (إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) أي و ذو عقاب اليم مع كونه غفورا رحيما لا يرد بأسه عن القوم المجرمين كما أحل بأهل الأرض الذين كفروا به و عبدوا غيره قال اللَّه تعالى وَ هِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ. و ذلك أن اللَّه تعالى أرسل من السماء مطرا لم تعهده الأرض قبله و لا تمطره بعده كان كأفواه القرب و أمر الأرض فنبعت من جميع فجاجها و سائر أرجائها كما قال تعالى فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ. فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ. وَ فَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ. وَ حَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَ دُسُرٍ. و الدسر السائر (تَجْرِي بِأَعْيُنِنا) أي بحفظنا و كلاءتنا و حراستنا و مشاهدتنا لها جزاء لمن كان كفر* و قد ذكر ابن جرير و غيره أن الطوفان كان في ثالث عشر شهر آب في حساب القبط. و قال تعالى إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ أي السفينة لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً وَ تَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ قال جماعة من المفسرين ارتفع الماء على أعلى جبل بالأرض خمسة عشر ذراعا و هو الّذي عند أهل الكتاب و قيل ثمانين ذراعا و عم جميع الأرض طولها و العرض سهلها و حزنها و جبالها و قفارها و رمالها. و لم يبق