البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٦٢ - فصل
اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ وَ مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ. وَ لَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ فَما زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتابٌ. الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ وَ عِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ يحذرهم ولى اللَّه إن كذبوا برسول اللَّه موسى أن يحل بهم ما حل بالأمم من قبلهم من النقمات و المثلات مما تواتر عندهم و عند غيرهم ما حل بقوم نوح و عاد و ثمود و من بعدهم الى زمانهم ذلك مما أقام به الحجج على أهل الأرض قاطبة في صدق ما جاءت به الأنبياء لما انزل من النقمة بمكذبيهم من الأعداء و ما أنجى اللَّه من اتبعهم من الأولياء و خوفهم يوم القيامة و هو يوم التناد أي حين ينادى الناس بعضهم بعضا حين يولون ان قدروا على ذلك و لا الى ذلك سبيل يَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ كَلَّا لا وَزَرَ إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ و قال تعالى يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطانٍ. فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ وَ نُحاسٌ فَلا تَنْتَصِرانِ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ و قرأ بعضهم يَوْمَ التَّنادِ بتشديد الدال أي يوم الفرار و يحتمل أن يكون يوم القيامة و يحتمل ان يكون يوم يحل اللَّه بهم البأس فيودون الفرار و لات حين مناص فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ لا تَرْكُضُوا وَ ارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَ مَساكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ ثم أخبرهم عن نبوة يوسف في بلاد مصر ما كان منه من الإحسان الى الخلق في دنياهم و أخراهم و هذا من سلالته و ذريته و يدعو الناس الى توحيد اللَّه و عبادته و أن لا يشركوا به أحدا من بريته و أخبر عن أهل الديار المصرية في ذلك الزمان أي من سجيتهم التكذيب بالحق و مخالفة الرسل و لهذا قال فَما زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا أي و كذبتم في هذا و لهذا قال كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتابٌ. الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ أي يريدون حجج اللَّه و براهينه و دلائل توحيده بلا حجة و لا دليل عندهم من اللَّه فان هذا أمر يمقته اللَّه غاية المقت أي يبغض من تلبس به من الناس و من اتصف به من الخلق كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ قرئ بالإضافة و بالنعت و كلاهما متلازم أي هكذا إذا خالفت القلوب الحق و لا تخالفه الا بلا برهان فان اللَّه يطبع عليها أي يختم عليها. وَ قالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ أَسْبابَ السَّماواتِ فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى وَ إِنِّي لَأَظُنُّهُ كاذِباً وَ كَذلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَ صُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَ ما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبابٍ كذب فرعون موسى (عليه السلام) في دعواه أن اللَّه أرسله و زعم فرعون لقومه ما كذبه و افتراه في قوله لهم ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى وَ إِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ و قال هاهنا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ أَسْبابَ السَّماواتِ أي طرقها و مسالكها فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى وَ إِنِّي لَأَظُنُّهُ كاذِباً و يحتمل هذا معنيين أحدهما و انى لأظنه