البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٧٤ - باب ما ورد في خلق آدم (عليه السلام)
و مخالفته لربه فأهبط الى الأرض مذءوما مدحورا. و أمر اللَّه آدم (عليه السلام) أن يسكن هو و زوجته الجنة فقال وَ قُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَ زَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَ كُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَ لا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ و قال في الأعراف قالَ اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً مَدْحُوراً لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ. وَ يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَ زَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما وَ لا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ و قال تعالى وَ إِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى فَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَ لِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى. إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَ لا تَعْرى وَ أَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَ لا تَضْحى و سياق هذه الآيات يقتضي أن خلق حواء كان قبل دخول آدم الجنة لقوله وَ يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَ زَوْجُكَ الْجَنَّةَ و هذا قد صرح به إسحاق ابن بشار و هو ظاهر هذه الآيات و لكن حكى السدي عن ابى صالح و أبى مالك عن ابن عباس و عن مرة عن ابن مسعود و عن ناس من الصحابة أنهم قالوا اخرج إبليس من الجنة و اسكن آدم الجنة فكان يمشى فيها وحشي ليس له فيها زوج يسكن اليها فنام نومة فاستيقظ و عند رأسه امرأة قاعدة. خلقها اللَّه من ضلعه. فسألها من أنت قالت امرأة قال و لما خلقت قالت لستكن الى فقالت له الملائكة ينظرون ما بلغ من علمه (ما اسمها يا آدم) قال حواء قالوا و لم كانت حواء قال لأنها خلقت من شيء حي. و ذكر محمد ابن إسحاق عن ابن عباس أنها خلقت من ضلعه الأقصر الأيسر و هو نائم و لأم مكانه لحما و مصداق هذا في قوله تعالى يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَ خَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَ بَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَ نِساءً الآية و في قوله تعالى هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ الآية و سنتكلم عليها فيما بعد ان شاء اللَّه تعالى* و
في الصحيحين من حديث زائدة عن ميسرة الأشجعي عن أبى حازم عن أبى هريرة عن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أنه قال (استوصوا بالنساء خيرا- فان المرأة خلقت من ضلع و ان أعوج شيء في الضلع أعلاه فان ذهبت تقيمه كسرته و ان تركته لم يزل أعوج فاستوصوا بالنساء خيرا) لفظ البخاري
و قد اختلف المفسرون في قوله تعالى وَ لا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فقيل هي الكرم و روى عن ابن عباس و سعيد بن جبير و الشعبي و جعدة بن هبيرة و محمد بن قيس و السدي في رواية عن ابن عباس و ابن مسعود و ناس من الصحابة قال و تزعم يهود أنها الحنطة. و هذا مروى عن ابن عباس و الحسن البصري و وهب بن منبه و عطية العوفيّ و أبى مالك و محارب بن دثار و عبد الرحمن بن أبى ليلى* قال وهب و الحبة منه ألين من الزبد و أحلى من العسل* و قال الثوري عن ابى حصين عن أبى مالك و لا تقربا هذه الشجرة هي النخلة* و قال ابن جريج عن مجاهد هي التينة و به قال قتادة و ابن جريج و قال أبو العالية كانت شجرة من أكل منها أحدث و لا ينبغي في الجنة حدث*