البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٦١ - فصل
الا سلبوا ملكهم و ذلوا بعد عزهم و كذا وقع لآل فرعون ما زالوا في شك و ريب و مخالفة و معاندة لما جاءهم موسى به حتى أخرجهم اللَّه مما كانوا فيه من الملك و الأملاك و الدور و القصور و النعمة و الحبور ثم حولوا الى البحر مهانين و نقلت أرواحهم بعد العلو و الرفعة الى أسفل السافلين. و لهذا قال هذا الرجل المؤمن المصدق البار الراشد التابع للحق الناصح لقومه الكامل العقل يا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ أي عالين على الناس حاكمين عليهم فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جاءَنا أي لو كنتم أضعاف ما أنتم فيه من العدد و العدة و القوة و الشدة لما نفعنا ذلك و لا رد عنا بأس مالك الممالك. قالَ فِرْعَوْنُ أي في جواب هذا كله ما أُرِيكُمْ إِلَّا ما أَرى أي ما أقول لكم إلا ما عندي وَ ما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ و كذب في كل من هذين القولين و هاتين المقدمتين فإنه قد كان يتحقق في باطنه و في نفسه أن هذا الّذي جاء به موسى من عند اللَّه لا محالة و إنما كان يظهر خلافه بغيا و عدوانا و عتوا و كفرانا قال اللَّه تعالى اخبارا عن موسى لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ بَصائِرَ وَ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً فَأَرادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْناهُ وَ مَنْ مَعَهُ جَمِيعاً. وَ قُلْنا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنا بِكُمْ لَفِيفاً و قال تعالى فَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ. وَ جَحَدُوا بِها وَ اسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَ عُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ و أما قوله وَ ما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ. فقد كذب أيضا فإنه لم يكن على رشاد من الأمر بل كان على سفه و ضلال و خبل و خيال فكان أولا ممن يعبد الأصنام و الأمثال. ثم دعا قومه الجهلة الضلال الى أن اتبعوه و طاوعوه و صدقوه فيما زعم من الكفر المحال في دعواه أنه رب تعالى اللَّه ذو الجلال.
قال اللَّه تعالى وَ نادى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قالَ يا قَوْمِ أَ لَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ. وَ هذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَ فَلا تُبْصِرُونَ أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَ لا يَكادُ يُبِينُ فَلَوْ لا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ. فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ. فَجَعَلْناهُمْ سَلَفاً وَ مَثَلًا لِلْآخِرِينَ و قال تعالى فَأَراهُ الْآيَةَ الْكُبْرى فَكَذَّبَ وَ عَصى ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعى فَحَشَرَ فَنادى فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَ الْأُولى. إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى و قال تعالى وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَ سُلْطانٍ مُبِينٍ. إِلى فِرْعَوْنَ وَ مَلَائِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَ ما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَ بِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ. وَ أُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً وَ يَوْمَ الْقِيامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ و المقصود بيان كذبه في قوله ما أُرِيكُمْ إِلَّا ما أَرى و في قوله وَ ما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ. وَ قالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَ عادٍ وَ ثَمُودَ وَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَ مَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ. وَ يا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنادِ. يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكُمْ مِنَ