البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٠٥ - ذكر ما وقع من الأمور العجيبة في حياة إسرائيل فمن ذلك قصة يوسف بن راحيل
لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)* يذكر تعالى ما كان من قبل نساء المدينة من نساء الأمراء و بنات الكبراء في الطعن على امرأة العزيز و عيبها و التشنيع عليها في مراودتها فتاها و حبها الشديد له تعنين و هو لا يساوى هذا لانه مولى من الموالي و ليس مثله أهلا لهذا و لهذا قلن (إِنَّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) أي في وضعها الشيء في غير محله (فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ) أي بتشنيعهن عليها و التنقص لها و الإشارة اليها بالعيب و المذمة بحب مولاها و عشق فتاها فاظهرن ذما و هي معذورة في نفس الأمر فلهذا أحبت أن تبسط عذرها عندهن و تبين أن هذا الفتى ليس كما حسبن و لا من قبيل ما لديهن. فأرسلت إليهن فجمعتهن في منزلها. و اعتدت لهن ضيافة مثلهن و أحضرت في جملة ذلك شيئا مما يقطع بالسكاكين كالأترج و نحوه و أتت كل واحدة منهن سكينا و كانت قد هيأت يوسف (عليه السلام) و ألبسته أحسن الثياب و هو في غاية طراوة الشباب و أمرته بالخروج عليهنّ بهذه الحالة. فخرج و هو أحسن من البدر لا محالة (فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ) أي اعظمنه و أجللنه و هبنه و ما ظنن أن يكون مثل هذا في بنى آدم و بهرهن حسنه حتى اشتغلن عن أنفسهن و جعلن يحززن في أيديهن بتلك السكاكين و لا يشعرن بالجراح (وَ قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ). و قد جاء في حديث الاسراء
(فمررت بيوسف و إذا هو قد أعطى شطر الحسن)
قال السهيليّ و غيره من الائمة معناه أنه كان على النصف من حسن آدم (عليه السلام) لأن اللَّه تعالى خلق آدم بيده و نفخ فيه من روحه فكان في غاية نهايات الحسن البشرى و لهذا يدخل أهل الجنة الجنة على طول آدم و حسنه و يوسف كان على النصف من حسن آدم و لم يكن بينهما أحسن منهما كما أنه لم تكن أنثى بعد حواء أشبه بها من سارة امرأة الخليل (عليه السلام).
قال ابن مسعود و كان وجه يوسف مثل البرق و كان إذا أتته امرأة لحاجة غطى وجهه* و قال غيره كان في الغالب مبرقعا لئلا يراه الناس و لهذا لما قام عذر امرأة العزيز في محبتها لهذا المعنى المذكور و جرى لهن و عليهنّ ما جرى من تقطيع أيديهن بجراح السكاكين و ما ركبهن من المهابة و الدهش عند رؤيته و معاينته (قالَتْ فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ) ثم مدحته بالعصمة التامة فقالت (وَ لَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ) أي امتنع (وَ لَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَ لَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ) و كان بقية النساء حرّضنه على السمع و الطاعة لسيدته فأبى أشد الاباء. و نأى لانه من سلالة الأنبياء و دعا فقال في دعائه لرب العالمين (رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَ إِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَ أَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ) يعنى إن وكلتني الى نفسي فليس لي من نفسي الا العجز و الضعف و لا أملك لنفسي نفعا و لا ضرا إلا ما شاء اللَّه فانا ضعيف الا ما قويتني و عصمتني و حفظتني و حطني بحولك و قوتك و لهذا قال تعالى فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ