البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٣٩ - ذكر قصة موسى الكليم عليه الصلاة و التسليم
ولدانهم الذكور و خشي أن تتفانى الكبار مع قتل الصغار فيصيرون هم الذين يلون ما كان بنو إسرائيل يعالجون فامر فرعون بقتل الأبناء عاما و أن يتركوا عاما فذكروا أن هارون (عليه السلام) ولد في عام المسامحة عن قتل الأبناء و أن موسى (عليه السلام) ولد في عام قتلهم فضاقت أمه به ذرعا و احترزت من أول ما حبلت و لم يكن يظهر عليها مخائيل الحبل. فلما وضعت ألهمت أن اتخذت له تابوتا فربطته في حبل و كانت دارها متاخمة للنيل فكانت ترضعه فإذا خشيت من أحد وضعته في ذلك التابوت فأرسلته في البحر و أمسكت طرف الحبل عندها فإذا ذهبوا استرجعته اليها به. قال اللَّه تعالى وَ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَ لا تَخافِي وَ لا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَ جاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَ حَزَناً إِنَّ فِرْعَوْنَ وَ هامانَ وَ جُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ. وَ قالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَ لَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ هذا الوحي وحي الهام و إرشاد كما قال تعالى وَ أَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَ مِنَ الشَّجَرِ وَ مِمَّا يَعْرِشُونَ ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا الآية و ليس هو بوحي نبوة كما زعمه ابن حزم و غير واحد من المتكلمين بل الصحيح الأول كما حكاه أبو الحسن الأشعري عن أهل السنة و الجماعة.
قال السهيليّ و اسم أم موسى أيارخا. و قيل أياذخت [١]* و المقصود أنها أرشدت الى هذا الّذي ذكرناه و القى في خلدها و روعها أن لا تخافي و لا تحزني فإنه ان ذهب فان اللَّه سيرده إليك و ان اللَّه سيجعله نبيا مرسلا يعلى كلمته في الدنيا و الآخرة فكانت تصنع ما أمرت به فارسلته ذات يوم و ذهلت أن تربط طرف الحبل عندها فذهب مع النيل فمر على دار فرعون (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ) قال اللَّه تعالى لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَ حَزَناً قال بعضهم هذه لام العاقبة و هو ظاهر ان كان متعلقا بقوله فالتقطه* و أما ان جعل متعلقا بمضمون الكلام و هو أن آل فرعون قيضوا لالتقاطه ليكون لهم عدوا و حزنا صارت اللام معللة كغيرها و اللَّه أعلم* و يقوى هذا التقدير الثاني قوله (إِنَّ فِرْعَوْنَ وَ هامانَ) و هو الوزير السوء (وَ جُنُودَهُما) المتابعين لهما (كانُوا خاطِئِينَ) أي كانوا على خلاف الصواب فاستحقوا هذه العقوبة و الحسرة.
و ذكر المفسرون أن الجواري التقطنه من البحر في تابوت مغلق عليه فلم يتجاسرن على فتحه حتى وضعنه بين يدي امرأة فرعون آسية بنت مزاحم بن عبيد بن الريان بن الوليد الّذي كان فرعون مصر في زمن يوسف* و قيل انها كانت من بنى إسرائيل من سبط موسى* و قيل بل كانت عمته حكاه السهيليّ فاللَّه أعلم و سيأتي مدحها و الثناء عليها في قصة مريم بنت عمران و أنهما يكونان يوم القيامة من أزواج رسول
[١] و الّذي في تفسير القرطبي عن الثعلبي لوخا بنت هاند بن لاوا بن يعقوب. و في بعض التفاسير اسمها (يوحانذ).