البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣١٧ - ذكر وفاته (عليه السلام)
صكه فرجع الى ربه عز و جل فقال أرسلتنى الى عبد لا يريد الموت قال ارجع اليه فقل له يضع يده على متن ثور فله بما غطت يده بكل شعرة سنة. قال أي رب ثم ما ذا قال ثم الموت قال فالآن قال فسأل اللَّه عز و جل أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر. قال أبو هريرة فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فلو كنت ثمّ لأريتكم قبره الى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر. قال و أنبأنا معمر عن همام عن أبى هريرة عن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) نحوه. و قد روى مسلم الطريق الأول من حديث عبد الرزاق به و رواه الامام أحمد من حديث حماد بن سلمة عن عمار بن أبى عمار عن أبى هريرة مرفوعا و سيأتي.
و قال الامام احمد حدثنا الحسن حدثنا ابن لهيعة حدثنا أبو يونس يعنى سليم بن جبير عن أبى هريرة قال الامام أحمد لم يرفعه. قال جاء ملك الموت الى موسى (عليه السلام) فقال أجب ربك فلطم موسى عين ملك الموت ففقأها. فرجع الملك الى اللَّه فقال إنك بعثتني الى عبد لك لا يريد الموت. قال و قد فقأ عيني قال فرد اللَّه عينه و قال ارجع الى عبدي فقل له الحياة تريد فان كنت تريد الحياة فضع يدك على متن ثور فما وارت يدك من شعره فإنك تعيش بها سنة قال ثم مه قال ثم الموت قال فالآن يا رب من قريب. تفرد به احمد و هو موقوف بهذا اللفظ. و قد رواه ابن حبان في صحيحه من طريق معمر عن ابن طاووس عن أبيه عن أبى هريرة قال معمر و أخبرنى من سمع الحسن عن رسول اللَّه فذكره ثم استشكله ابن حبان و أجاب عنه بما حاصله أن ملك الموت لما قال له هذا لم يعرفه لمجيئه له على غير صورة يعرفها موسى (عليه السلام) كما جاء جبريل في صورة أعرابى و كما وردت الملائكة على إبراهيم و لوط في صورة شباب فلم يعرفهم إبراهيم و لا لوط أولا و كذلك موسى لعله لم يعرفه لذلك و لطمه ففقأ عينه لانه دخل داره بغير أذنه و هذا موافق لشريعتنا في جواز فقء عين من نظر إليك في دارك بغير اذن* ثم
أورد الحديث من طريق عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبى هريرة قال قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) جاء ملك الموت الى موسى ليقبض روحه قال له أجب ربك فلطم موسى عين ملك الموت ففقأ عينه و ذكر تمام الحديث
كما أشار اليه البخاري ثم تأوله على أنه لما رفع يده ليلطمه قال له أجب ربك و هذا التأويل لا يتمشى على ما ورد به اللفظ من تعقيب قوله أجب ربك بلطمه و لو استمر على الجواب الأول لتمشي له و كأنه لم يعرفه في تلك الصورة و لم يحمل قوله هذا على أنه مطابق إذ لم يتحقق في الساعة الراهنة أنه ملك كريم لانه كان يرجو أمورا كثيرة كان يحب وقوعها في حياته من خروجه من التيه و دخولهم الأرض المقدسة و كان قد سبق في قدرة اللَّه أنه (عليه السلام) يموت في التيه بعد هارون أخيه كما سنبينه إن شاء اللَّه تعالى. و قد زعم بعضهم أن موسى (عليه السلام) هو الّذي خرج بهم من التيه و دخل بهم الأرض المقدسة. و هذا خلاف ما عليه أهل الكتاب و جمهور المسلمين. و مما يدل على ذلك قوله لما اختار الموت رب أدننى الى الأرض المقدسة رمية حجر. و لو كان قد دخلها لم يسأل ذلك و لكن لما كان مع قومه بالتيه و حانت وفاته عليه