البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣١٥ - باب ذكر فضائل موسى (عليه السلام) و شمائله و صفاته و وفائه
القرآن العظيم مدحا عظيما و قال تعالى في آخرها ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَ تَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَ هُدىً وَ رَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ. وَ هذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَ اتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ و قال تعالى في سورة المائدة إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَ نُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا وَ الرَّبَّانِيُّونَ وَ الْأَحْبارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ وَ كانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَ اخْشَوْنِ وَ لا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ الى أن قال وَ لْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ. وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَ مُهَيْمِناً عَلَيْهِ الآية فجعل القرآن حاكما على سائر الكتب غيره و جعله مصدقا لها و مبينا ما وقع فيها من التحريف و التبديل فان أهل الكتاب استحفظوا على ما بأيديهم من الكتب فلم يقدروا على حفظها و لا على ضبطها و صونها فلهذا دخلها ما دخلها من تغييرهم و تبديلهم لسوء فهو منهم و قصورهم في علومهم و رداءة قصودهم و خيانتهم لمعبودهم عليهم لعائن اللَّه المتتابعة إلى يوم القيامة و لهذا يوجد في كتبهم من الخطأ البين على اللَّه و على رسوله ما لا يحد و لا يوصف و ما لا يوجد مثله و لا يعرف. و قال تعالى في سورة الأنبياء وَ لَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَ هارُونَ الْفُرْقانَ وَ ضِياءً وَ ذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ. الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَ هُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ. وَ هذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ أَ فَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ و قال اللَّه تعالى في سورة القصص. فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا لَوْ لا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى أَ وَ لَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِنْ قَبْلُ قالُوا سِحْرانِ تَظاهَرا وَ قالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كافِرُونَ. قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. فاثنى اللَّه على الكتابين و على الرسولين (عليهما السلام). و قالت الجن لقومهم إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى. و قال ورقة بن نوفل لما قص عليه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) خبر ما رأى من الأول الوحي و تلا عليه (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ. اقْرَأْ وَ رَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ. عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ) قال سبوح سبوح هذا الناموس الّذي انزل على موسى بن عمران.
و بالجملة فشريعة موسى (عليه السلام) كانت عظيمة و أمته كانت أمة كثيرة و وجد فيها أنبياء و علماء و عباد و زهاد و ألباء و ملوك و أمراء و سادات و كبراء. لكنهم كانوا فبادوا و تبدلوا كما بدلت شريعتهم و مسخوا قردة و خنازير ثم نسخت بعد كل حساب ملتهم و جرت عليهم خطوب و أمور يطول ذكرها و لكن سنورد ما فيه مقنع لمن أراد أن يبلغه خبرها إن شاء اللَّه* و به الثقة و عليه التكلان