البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٧١ - باب ما ورد في خلق آدم (عليه السلام)
جهلة المفسرين* قالوا (أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ) قيل علموا ان ذلك كائن بما رأوا ممن كان قبل آدم من الجن و البن قاله قتادة* و قال عبد اللَّه بن عمر كانت الجن قبل آدم بألفي عام فسفكوا الدماء فبعث اللَّه اليهم جندا من الملائكة فطردوهم الى جزائر البحور* و عن ابن عباس نحوه. و عن الحسن ألهموا ذلك* و قيل لما اطلعوا عليه من اللوح المحفوظ فقيل أطلعهم عليه هاروت و ماروت عن ملك فوقهما يقال له الشجل.
رواه بن أبى حاتم عن ابى جعفر الباقر* و قيل لانهم علموا ان الأرض لا يخلق منها الا من يكون بهذه المثابة غالبا (وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ نُقَدِّسُ لَكَ) اى نعبدك دائما لا يعصيك منا أحد* فان كان المراد بخلق هؤلاء ان يعبدوك فها نحن لا نفتر ليلا و لا نهارا (قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ) أي أعلم من المصلحة الراجحة في خلق هؤلاء ما لا تعلمون أي سيوجد منهم الأنبياء و المرسلون و الصديقون و الشهداء ثم بين لهم شرف آدم عليهم في العلم فقال (وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها)* قال ابن عباس هي هذه الأسماء التي يتعارف بها الناس إنسان و دابة و أرض و سهل و بحر و جبل و جمل و حمار و أشباه ذلك من الأمم و غيرها* و في رواية علمه اسم الصحفة و القدر حتى الفسوة و الفسية* و قال مجاهد علمه اسم كل دابة و كل طير و كل شيء* و كذا قال سعيد بن جبير و قتادة و غير واحد* و قال الربيع علمه أسماء الملائكة «و قال عبد الرحمن ابن زيد علمه أسماء ذريته و الصحيح أنه علمه أسماء الذوات و افعالها مكبرها و مصغرها كما أشار اليه ابن عباس رضى اللَّه عنهما* و
ذكر البخاري هنا ما رواه هو و مسلم من طريق سعيد و هشام عن قتادة عن أنس بن مالك عن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال (يجتمع المؤمنون يوم القيامة فيقولون لو استشفعنا الى ربنا فيأتون آدم فيقولون أنت أبو البشر خلقك اللَّه بيده و أسجد لك ملائكته و علمك أسماء كل شيء) و ذكر تمام الحديث
* (ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) قال الحسن البصري (لما أراد اللَّه خلق آدم قالت الملائكة لا يخلق ربنا خلقا الا كنا أعلم منه فابتلوا بهذا) و ذلك قوله (إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) و قيل غير ذلك كما بسطناه في التفسير قالوا (سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) أي سبحانك أن يحيط أحد بشيء من علمك من غير تعليمك كما قال (وَ لا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ) (قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ أَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ) اى أعلم السر كما اعلم العلانية* و قيل إن المراد بقوله وَ أَعْلَمُ ما تُبْدُونَ ما قالوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها و بقوله وَ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ المراد بهذا الكلام إبليس حين أسر الكبر و التخيرة على آدم (عليه السلام) قاله سعيد بن جبير و مجاهد و السدي و الضحاك و الثوري و اختاره ابن جرير* و قال ابو العالية و الربيع و الحسن و قتادة (وَ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ) قولهم لن يخلق ربنا خلقا الا كنا أعلم منه و أكرم عليه منه* قوله وَ إِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا