البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٨٩ - قصة عبادتهم العجل في غيبة كليم اللَّه عنهم
إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ الَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ. الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَ الْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَ يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَ يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَ الْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَ عَزَّرُوهُ وَ نَصَرُوهُ وَ اتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ذكر السدي و ابن عباس و غيرهما أن هؤلاء السبعين كانوا علماء بنى إسرائيل و معهم موسى و هارون و يوشع و ناداب و ابيهو ذهبوا مع موسى (عليه السلام) ليعتذروا عن بنى إسرائيل في عبادة من عبد منهم العجل و كانوا قد أمروا أن يتطيبوا و يتطهروا و يغتسلوا فلما ذهبوا معه و اقتربوا من الجبل و عليه الغمام و عمود النور ساطع و صعد موسى الجبل فذكر بنو إسرائيل أنهم سمعوا كلام اللَّه و هذا قد وافقهم عليه طائفة من المفسرين و حملوا عليه قوله تعالى وَ قَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ و ليس هذا بلازم لقوله تعالى فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ أي مبلغا و هكذا هؤلاء سمعوه مبلغا من موسى (عليه السلام) و زعموا أيضا أن السبعين رأوا اللَّه و هذا غلط منهم لأنهم لما سألوا الرؤية أخذتهم الرجفة كما قال تعالى وَ إِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَ أَنْتُمْ تَنْظُرُونَ. ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ و قال هاهنا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَ إِيَّايَ الآية قال محمد بن إسحاق اختار موسى من بنى إسرائيل سبعين رجلا الخير فالخير. و قال انطلقوا الى اللَّه فتوبوا اليه مما صنعتم و سلوه التوبة على من تركتم وراءكم من قومكم صوموا و تطهروا و طهروا ثيابكم فخرج بهم الى طور سيناء لميقات وقته له ربه و كان لا يأتيه إلا بأذن منه و علم فطلب منه السبعون أن يسمعوا كلام اللَّه فقال أفعل فلما دنا موسى من الجبل وقع عليه عمود الغمام حتى تغشى الجبل كله و دنا موسى فدخل في الغمام و قال للقوم أدنوا و كان موسى إذا كلمه اللَّه وقع على جبهته نور ساطع لا يستطيع أحد من بنى آدم أن ينظر اليه فضرب دونه بالحجاب و دنا القوم حتى إذا دخلوا في الغمام وقعوا سجودا فسمعوه و هو يكلم موسى يأمره و ينهاه افعل و لا تفعل* فلما فرغ اللَّه من أمره و انكشف عن موسى الغمام أقبل اليهم قالوا لن نؤمن لك حتى نرى اللَّه جهرة فاخذتهم الرجفة و هي الصاعقة فالتقت أرواحهم فماتوا جميعا فقام موسى يناشد ربه و يدعوه و يرغب اليه و يقول رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَ إِيَّايَ أَ تُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا أي لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء الذين عبدوا العجل منا فانا براء مما عملوا. و قال ابن عباس و مجاهد و قتادة و ابن جريج إنما أخذتهم الرجفة لأنهم لم ينهوا قومهم عن عبادة العجل و قوله إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ أي اختبارك و ابتلاؤك و امتحانك قاله ابن عباس و سعيد بن جبير و أبو العالية و الربيع بن أنس و غير واحد من علماء السلف و الخلف. يعنى أنت الّذي قدرت هذا و خلقت ما كان من أمر العجل اختبارا تختبرهم