البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٩٣ - ذكر قصة ابني آدم قابيل و هابيل
ابن عباس و عن مرة عن ابن مسعود و عن ناس من الصحابة أن آدم كان يزوج ذكر كل بطن بأنثى الأخرى و أن هابيل أراد أن يتزوج بأخت قابيل و كان أكبر من هابيل و أخت هابيل أحسن فأراد هابيل أن يستأثر بها على أخيه و أمره آدم (عليه السلام) أن يزوجه إياها فأبى فأمرهما أن يقربا قربانا و ذهب آدم ليحج الى مكة و استحفظ السموات على بنيه فأبين و الأرضين و الجبال فأبين فتقبل قابيل بحفظ ذلك. فلما ذهب قربا قربانهما فقرب هابيل جذعة سمينة و كان صاحب غنم و قرب قابيل حزمة من زرع من رديء زرعه فنزلت نار فأكلت قربان هابيل و تركت قربان قابيل فغضب و قال لأقتلنك حتى لا تنكح أختى فقال إنما يتقبل اللَّه من المتقين* و روى عن ابن عباس من وجوه أخر و عن عبد اللَّه بن عمرو و قال عبد اللَّه بن عمرو و أيم اللَّه إن كان المقتول لأشد الرجلين و لكن منعه التحرج أن يبسط اليه يده* و ذكر أبو جعفر الباقر أن آدم كان مباشرا لتقربهما القربان و التقبل من هابيل دون قابيل فقال قابيل لآدم إنما تقبل منه لأنك دعوت له و لم تدع لي و توعد أخاه فيما بينه و بينه. فلما كان ذات ليلة أبطأ هابيل في الرعي فبعث آدم أخاه قابيل لينظر ما أبطأ به فلما ذهب إذا هو به فقال له تقبل منك و لم يتقبل منى فقال إنما يتقبل اللَّه من المتقين. فغضب قابيل عندها و ضربه بحديدة كانت معه فقتله* و قيل إنه إنما قتله بصخرة رماها على رأسه و هو نائم فشدخته* و قيل بل خنقه خنقا شديدا و عضا كما تفعل السباع فمات و اللَّه أعلم* و قوله له لما توعده بالقتل (لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ) دل على خلق حسن و خوف من اللَّه تعالى و خشية منه و تورع أن يقابل أخاه بالسوء الّذي أراد منه أخوه مثله و لهذا ثبت
في الصحيحين عن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أنه قال (إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فالقاتل و المقتول في النار. قالوا يا رسول اللَّه هذا القاتل فما بال المقتول قال إنه كان حريصا على قتل صاحبه.
و قوله (إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَ إِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ وَ ذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ) أي إني أريد ترك مقاتلتك و ان كنت أشد منك و أقوى إذ قد عزمت على ما عزمت عليه أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَ إِثْمِكَ أي تتحمل إثم قتلى مع مالك من الآثام المتقدمة قبل ذلك قاله مجاهد و السدي و ابن جرير و غير واحد و ليس المراد أن آثام المقتول تتحول بمجرد قتله الى القاتل كما قد توهمه بعض قال فان ابن جرير حكى الإجماع على خلاف ذلك* و أما
الحديث الّذي يورده بعض من لا يعلم عن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أنه قال ما ترك القاتل على المقتول من ذنب
فلا أصل له و لا يعرف في شيء من كتب الحديث بسند صحيح و لا حسن و لا ضعيف أيضا و لكن قد يتفق في بعض الأشخاص يوم القيامة يطالب المقتول القاتل فتكون حسنات القاتل لا تفي بهذه المظلمة فتحول من سيئات المقتول الى القاتل كما ثبت به الحديث الصحيح في سائر المظالم و القتل