البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢١٨ - ذكر ما وقع من الأمور العجيبة في حياة إسرائيل فمن ذلك قصة يوسف بن راحيل
عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ) اجتمع بهما خصوصا وحدهما دون إخوته (وَ قالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ) قيل هذا من المقدم و المؤخر تقديره ادخلوا مصر و آوى اليه أبويه. و ضعفه ابن جرير و هو معذور* قيل تلقاهما و آواهما في منزل الخيام. ثم لما اقتربوا من باب مصر (قالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ) قاله السدي. و لو قيل إن الأمر لا يحتاج الى هذا أيضا و انه ضمن قوله أدخلوا مغنى اسكنوا مصر أو أقيموا بها (إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ) لكان صحيحا مليحا أيضا و عند أهل الكتاب أن يعقوب لما وصل الى أرض جاشر و هي أرض بلبيس خرج يوسف لتلقيه و كان يعقوب قد بعث ابنه يهوذا بين يديه مبشرا بقدومه و عندهم أن الملك أطلق لهم أرض جاشر يكونون فيها و يقيمون بها بنعمهم و مواشيهم* و قد ذكر جماعة من المفسرين أنه لما أزف قدوم نبي اللَّه يعقوب و هو إسرائيل أراد يوسف أن يخرج لتلقيه فركب معه الملك و جنوده خدمة ليوسف و تعظيما لنبي اللَّه إسرائيل و أنه دعا للملك و أن اللَّه رفع عن أهل مصر بقية سنى الجدب ببركة قدومه اليهم فاللَّه أعلم و كان جملة من قدم مع يعقوب من بنيه و أولادهم فيما قاله أبو إسحاق السبيعي عن ابى عبيدة عن ابن مسعود ثلاثة و ستين إنسانا* و قال موسى بن عبيدة عن محمد بن كعب عن عبد اللَّه بن شداد كانوا ثلاثة و ثمانين إنسانا. و قال ابو إسحاق عن مسروق دخلوا و هم ثلاثمائة و تسعون إنسانا: قالوا و خرجوا مع موسى و هم أزيد من ستمائة ألف مقاتل* و في نص أهل الكتاب أنهم كانوا سبعين نفسا و سموهم.
قال اللَّه تعالى وَ رَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ قيل كانت أمه قد ماتت كما هو عند علماء التوراة. و قال بعض المفسرين فأحياها اللَّه تعالى و قال آخرون بل كانت خالته ليا و الخالة بمنزلة الام. و قال ابن جرير و آخرون بل ظاهر القرآن يقتضي بقاء حياة أمه الى يومئذ فلا يعول على نقل أهل الكتاب فيما خالفه و هذا قوى و اللَّه أعلم. و رفعهما على العرش أي أجلسهما معه على سريره (وَ خَرُّوا لَهُ سُجَّداً) أي سجد له الأبوان و الاخوة الأحد عشر تعظيما و تكريما و كان هذا مشروعا لهم و لم يزل ذلك معمولا به في سائر الشرائع حتى حرم في ملتنا. (وَ قالَ يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ) أي هذا تعبير ما كنت قصصته عليك من رؤيتي الأحد عشر كوكبا و الشمس و القمر حين رأيتهم لي ساجدين و أمرتنى بكتمانها و وعدتني ما وعدتني عند ذلك (قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا وَ قَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ) أي بعد الهم و الضيق جعلني حاكما نافذ الكلمة في الديار المصرية حيث شئت (وَ جاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ) أي البادية و كانوا يسكنون أرض العربات من بلاد الخليل (مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَ بَيْنَ إِخْوَتِي) أي فيما كان منهم الىّ من الأمر الّذي تقدم و سبق ذكره* ثم قال (إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ) أي إذا أراد شيئا هيأ أسبابه و يسرها و سهلها من وجوه لا يهتدى اليها العباد بل يقدرها و ييسرها بلطيف صنعه و عظيم قدرته (إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ) أي بجميع الأمور (الْحَكِيمُ) في خلقه و شرعه و قدره.