البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٠٠ - ذكر الحديث الملقب بحديث الفتون المتضمن قصة موسى مبسوطة من أولها الى آخرها
ذكر الحديث الملقب بحديث الفتون المتضمن قصة موسى مبسوطة من أولها الى آخرها
قال الامام ابو عبد الرحمن النسائي في كتاب التفسير من سننه عند قوله تعالى في سورة طه وَ قَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ وَ فَتَنَّاكَ فُتُوناً (حديث الفتون) حدثنا عبد اللَّه بن محمد حدثنا يزيد بن هارون أنبأنا أصبغ بن زيد حدثنا القاسم بن أبى أيوب أخبرني سعيد بن جبير قال سألت عبد اللَّه بن عباس عن قول اللَّه تعالى وَ فَتَنَّاكَ فُتُوناً فسأله عن الفتون ما هو فقال استأنف النهار يا ابن جبير فان لها حديثا طويلا فلما أصبحت غدوت الى ابن عباس لأنتجز منه ما وعدني من حديث الفتون فقال تذكر فرعون و جلساؤه ما كان اللَّه وعد إبراهيم (عليه السلام) أن يجعل في ذريته أنبياء و ملوكا فقال بعضهم إن بنى إسرائيل ينتظرون ذلك ما يشكون فيه و كانوا يظنون انه يوسف بن يعقوب فلما هلك قالوا ليس هكذا كان وعد إبراهيم فقال فرعون فكيف ترون فأتمروا و أجمعوا أمرهم على أن يبعث رجالا معهم الشفار يطوفون في بنى إسرائيل فلا يجدون مولودا ذكرا إلا ذبحوه ففعلوا ذلك فلما رأوا أن الكبار من بنى إسرائيل يموتون بآجالهم و الصغار يذبحون قالوا توشكون أن تفنوا بنى إسرائيل فتصيروا الى أن تباشروا من الأعمال و الخدمة الّذي كانوا يكفونكم فاقتلوا عاما كل مولود ذكر فتقل بناتهم و دعوا عاما فلا تقتلوا منهم أحدا فيشب الصغار مكان من يموت من الكبار فإنهم لن يكثروا بمن تستحيون منهم فتخافوا مكاثرتهم إياكم و لن تفتنوا بمن تقتلون و تحتاجون اليهم فاجمعوا أمرهم على ذلك فحملت أم موسى بهارون في العام الّذي لا تقتل فيه الغلمان فولدته علانية آمنة. فلما كان من قابل حملت بموسى (عليه السلام) فوقع في قلبها الهم و الحزن و ذلك من الفتون يا ابن جبير ما دخل عليه في بطن أمه مما يراد فأوحى اللَّه اليها أن لا تخافي و لا تحزني انا رادوه إليك و جاعلوه من المرسلين فأمرها إذا ولدت أن تجعله في تابوت و تلقيه في اليم فلما ولدت فعلت ذلك فلما توارى عنها ابنها أتاها الشيطان فقالت في نفسها ما فعلت بابني لو ذبح عندي فواريته و كفنته كان أحب الى من أن ألقيه الى دواب البحر و حيتانه فانتهى الماء به حتى أوفى عند فرضة تستقي منها جواري امرأة فرعون فلما رأينه أخذنه فهممن أن يفتحن التابوت فقال بعضهن ان في هذا مالا و إنا إن فتحناه لم تصدقنا امرأة الملك بما وجدنا فيه فحملته كهيئته لم يخرجن منه شيئا حتى دفعنه اليها فلما فتحته رأت فيه غلاما فالقى عليه منها محبة لم تلق منها على أحد قط و أصبح فؤاد أم موسى فارغا من ذكر كل شيء إلا من ذكر موسى. فلما سمع الذباحون بأمره أقبلوا بشفارهم الى امرأة فرعون ليذبحوه و ذلك من الفتون يا ابن جبير فقالت لهم أقروه فان هذا الواحد لا يزيد في بنى إسرائيل حتى آتى فرعون