البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٠١ - ذكر الحديث الملقب بحديث الفتون المتضمن قصة موسى مبسوطة من أولها الى آخرها
فاستوهبه منه فان وهبه منى كنتم قد أحسنتم و أجملتم و ان أمر بذبحه لم ألمكم فأتت فرعون فقالت قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَ لَكَ فقال فرعون يكون لك فأما لي فلا حاجة لي فيه
فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) (و الّذي يحلف به لو أقر فرعون أن يكون قرة عين له كما أقرت امرأته لهداه اللَّه كما هداها و لكن حرمه ذلك)
فأرسلت الى من حولها الى كل امرأة لها لأن تختار ظئرا فجعل كلما أخذته امرأة منهن لترضعه لم يقبل على ثديها حتى أشفقت امرأة فرعون أن يمتنع من اللبن فيموت فأحزنها ذلك فأمرت به فاخرج الى السوق و مجمع الناس ترجو أن تجد له ضئرا يأخذه منها فلم يقبل و أصبحت أم موسى والها فقالت لأخته قصي أثره و اطلبيه هل تسمعين له ذكرا أ حىّ ابني أم قد أكلته الدواب و نسيت ما كان اللَّه وعدها فيه فبصرت به أخته عن جنب و هم لا يشعرون و الجنب أن يسمو بصر الإنسان الى شيء بعيد و هو الى جنبه لا يشعر به فقالت من الفرح حين أعياهم الظؤرات أنا أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم و هم له ناصحون فقالوا ما يدريك ما نصحهم هل يعرفونه حتى شكوا في ذلك. و ذلك من الفتون يا ابن جبير فقالت نصحهم له و شفقتهم عليه و رغبتهم في صهر الملك و رجاء منفعة الملك فأرسلوها فانطلقت الى أمها فأخبرتها الخبر فجاءت أمه فلما وضعته في حجرها نزا الى ثديها فمصه حتى امتلأ جنباه ريا و انطلق البشير الى امرأة فرعون يبشرها أن قد وجدنا لابنك ظئرا فأرسلت اليها فاتت بها و به. فلما رأت ما يصنع بها قالت امكثي ترضعى ابني هذا فانى لم أحب شيئا حبه قط قالت أم موسى لا أستطيع أن أترك بيتي و ولدى فيضيع فان طابت نفسك أن تعطينيه فأذهب به إلى بيتي فيكون معى لا آلوه خيرا فعلت فانى غير تاركة بيتي و ولدى و ذكرت أم موسى ما كان اللَّه وعدها فتعاسرت على امرأة فرعون و أيقنت أن اللَّه منجز موعودة فرجعت الى بيتها من يومها و أنبته اللَّه نباتا حسنا و حفظ لما قد قضى فيه فلم يزل بنو إسرائيل و هم في ناحية القرية ممتنعين من السخرة و الظلم ما كان فيهم فلما ترعرع قالت امرأة فرعون لام موسى أرينى ابني فوعدتها يوما تريها إياه فيه و قالت امرأة فرعون لخزانها و ظئورها و قهارمتها لا يبقين أحد منكم إلا استقبل ابني اليوم بهدية و كرامة لأرى ذلك فيه و أنا باعثة أمينا يحصى كل ما يصنع كل إنسان منكم فلم تزل الهدايا و الكرامة و النحل تستقبله من حين خرج من بيت أمه الى أن دخل على امرأة فرعون. فلما دخل عليها نحلته و أكرمته فرحت به و نحلت أمه بحسن أثرها عليه. ثم قالت لآتين به فرعون فلينحلنه و ليكرمنه فلما دخلت به و عليه جعله في حجره فتناول موسى لحية فرعون فمدها الى الأرض فقال الغواة من أعداء اللَّه لفرعون ألا ترى ما وعد اللَّه إبراهيم نبيه أنه زعم أن يرثك و يعلوك و يصرعك فأرسل الى الذباحين ليذبحوه. و ذلك من الفتون يا بن جبير بعد كل بلاء ابتلى به و أريد به فجاءت امرأة فرعون تسعى الى فرعون فقالت ما بدا لك في هذا الغلام الّذي وهبته لي فقال ألا ترينه يزعم أنه يصرعني و يعلوني فقالت اجعل بيني و بينك أمرا تعرف فيه الحق ائت بجمرتين و لؤلؤتين فقربهن اليه فان بطش باللؤلؤتين