البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٢٧ - أما الخضر
أشراف بنى إسرائيل و كان ممره براهب في صومعته فتطلع عليه الراهب فعلمه الإسلام فلما بلغ الخضر زوجه أبوه امرأة فعلمها الإسلام و أخذ عليها أن لا تعلم أحدا و كان لا يقرب النساء ثم طلقها ثم زوجه أبوه بأخرى فعلمها الإسلام و أخذ عليها أن لا تعلم أحدا ثم طلقها فكتمت إحداهما و أفشت عليه الأخرى فانطلق هاربا حتى أتى جزيرة في البحر فاقبل رجلان يحتطبان فرأياه فكتم أحدهما و أفشى عليه الآخر قال قد رأيت العزقيل و من رآه معك قال فلان فسئل فكتم و كان من دينهم انه من كذب قتل فقتل و كان قد تزوج الكاتم المرأة الكاتمة قال فبينما هي تمشط بنت فرعون إذ سقط المشط من يدها فقالت تعس فرعون فأخبرت أباها و كان للمرأة ابنان و زوج فأرسل اليهم فراود المرأة و زوجها أن يرجعا عن دينهما فأبيا فقال إني قاتلكما فقالا إحسان منك إلينا إن أنت قتلتنا أن تجعلنا في قبر واحد فجعلهما في قبر واحد فقال و ما وجدت ريحا أطيب منهما و قد دخلت الجنة و قد تقدمت قصة مائلة بنت فرعون و هذا المشط في أمر الخضر قد يكون مدرجا من كلام أبى بن كعب أو عبد اللَّه بن عباس و اللَّه أعلم. و قال بعضهم كنيته أبو العباس و الأشبه و اللَّه أعلم أن الحضر لقب غلب عليه.
قال البخاري (رحمه اللَّه) حدثنا محمد بن سعيد الأصبهاني حدثنا ابن المبارك عن معمر عن همام عن أبى هريرة عن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال إنما سمى الخضر لانه جلس على فروة بيضاء فإذا هي تهتز من خلفه خضراء تفرد به البخاري و كذلك رواه عبد الرزاق عن معمر به.
ثم قال عبد الرزاق الفروة الحشيش الأبيض و ما أشبهه يعنى الهشيم اليابس. و قال الخطابي و قال أبو عمر الفروة الأرض البيضاء التي لا نبات فيها و قال غيره هو الهشيم اليابس شبهه بالفروة و منه قيل فروة الرأس و هي جلدته بما عليها من الشعر كما قال الراعي.
و لقد ترى الحبشي حول بيوتنا* * * جذلا إذا ما نال يوما ما كلا
جعدا أصك كان فروة رأسه* * * بذرت فأنبت جانباه فلفلا
قال الخطابي إنما سمى الخضر خضرا لحسنه و اشراق وجهه* قلت هذا لا ينافي ما ثبت في الصحيح فان كان و لا بد من التعليل بأحدهما فما ثبت في الصحيح أولى و أقوى بل لا يلتفت الى ما عداه و قد
روى الحافظ ابن عساكر هذا الحديث أيضا من طريق إسماعيل بن حفص بن عمر الأيلي حدثنا عثمان و أبو جزى و همام بن يحيى عن قتادة عن عبد اللَّه بن الحارث بن نوفل عن ابن عباس عن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال إنما سمى الخضر خضرا لانه صلّى على فروة بيضاء فاهتزت خضراء.
و هذا غريب من هذا الوجه و قال قبيصة عن الثوري عن منصور عن مجاهد قال إنما سمى الخضر لانه كان إذا صلّى أخضر ما حوله و تقدم أن موسى و يوشع (عليهما السلام) لما رجعا يقصان الأثر وجداه على طنفسة خضراء على كبد البحر و هو مسجى بثوب قد جعل طرفاه من تحت رأسه و قدميه فسلم (عليه السلام) فكشف عن وجهه فرد و قال أنى بأرضك السلام من أنت قال أنا موسى قال موسى بنى إسرائيل قال نعم فكان من أمرهما ما قصه