البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٢٩ - أما الخضر
و ذكروا أخبارا استشهدوا بها على بقائه الى الآن و سنوردها إن شاء اللَّه تعالى و به الثقة و هذه وصيته لموسى حين (قالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَ بَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً) روى في ذلك آثار منقطعة كثيرة. قال البيهقي أنبأنا أبو سعيد بن أبى عمرو حدثنا أبو عبد اللَّه الصفار حدثنا أبو بكر ابن أبى الدنيا حدثنا إسحاق بن إسماعيل حدثنا جرير حدثني أبو عبد اللَّه الملطي قال لما أراد موسى أن يفارق الخضر قال له موسى أوصني قال كن نفاعا و لا تكن ضرارا. كن بشاشا و لا تكن غضبان. ارجع عن اللجاجة و لا تمش في غير حاجة. و في رواية من طريق أخرى زيادة (و لا تضحك إلا من عجب). و قال وهب بن منبه قال الخضر يا موسى ان الناس معذبون في الدنيا على قدر همومهم بها و قال بشر بن الحارث الحافى قال موسى للخضر أوصني فقال يسر اللَّه عليك طاعته. و قد ورد في ذلك حديث مرفوع
رواه ابن عساكر من طريق زكريا بن يحيى الوقاد إلا أنه من الكذابين الكبار. قال قرئ على عبد اللَّه بن وهب و أنا أسمع قال الثوري قال مجالد قال أبو الوداك قال أبو سعيد الخدريّ قال عمر بن الخطاب قال قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال أخى موسى يا رب ذكر كلمته فأتاه الخضر و هو فتى طيب الريح حسن بياض الثياب مشمرها فقال السلام عليك و رحمة اللَّه يا موسى بن عمران إن ربك يقرأ عليك السلام. قال موسى هو السلام و اليه السلام و الحمد للَّه رب العالمين الّذي لا أحصى نعمه و لا أقدر على أداء شكره إلا بمعونته ثم قال موسى أريد أن توصيني بوصية ينفعني اللَّه بها بعدك. فقال الخضر يا طالب العلم ان القائل أقل ملامة (١) من المستمع فلا تمل جلساءك إذا حدثتهم و اعلم ان قلبك وعاء فانظر ما ذا تحشو به وعاءك. و اغرف من الدنيا و انبذها وراءك. فإنها ليست لك بدار و لا لك فيها محل قرار. و إنما جعلت بلغة للعباد و التزود منها ليوم المعاد. و رض نفسك على الصبر تخلص من الإثم* يا موسى تفرغ للعلم ان كنت تريده فإنما العلم لمن تفرغ له* و لا تكن مكثارا للعلم مهذارا فان كثرة المنطق تشين العلماء و تبدي مساوى السخفاء. و لكن عليك بالاقتصاد فان ذلك من التوفيق و السداد* و أعرض عن الجهال و ماطلهم و أحلم عن السفهاء فان ذلك فعل الحكماء و زين العلماء إذا شتمك الجاهل فاسكت عنه حلما. و جانبه حزما. فان ما بقي من جهله عليك و سبه إياك أكثر و أعظم* يا ابن عمران و لا ترى أنك أوتيت من العلم إلا قليلا* فان الاندلاث و التعسف من الاقتحام و التكلف* يا ابن عمران لا تفتحن بابا لا تدري ما غلقه و لا تغلقن بابا لا تدري ما فتحه* يا ابن عمران من لا ينتهى من الدنيا نهمته و لا تنقضي منها رغبته و من يحقر حاله و يتهم اللَّه فيما قضى له كيف يكون زاهدا. هل يكف عن الشهوات من غلب عليه هواه. أو ينفعه طلب العلم و الجهل قد حواه لان سعيه الى آخرته و هو مقبل على دنياه* يا موسى تعلم ما تعلمت لتعمل به و لا تعلمه لتحدث به فيكون عليك بواره و لغيرك نوره* يا موسى بن عمران اجعل الزهد و التقوى لباسك و العلم و الذكر كلامك و استكثر من الحسنات فإنك مصيب السيئات و زعزع بالخوف قلبك فان ذلك يرضى ربك و اعمل خيرا فإنك لا بد