البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٠٨ - * قصة نوح (عليه السلام)
الّذي رموهم به هو عين ما يمدحون بسببه رضى اللَّه عنهم فان الحق الظاهر لا يحتاج الى روية و لا فكر و لا نظر بل يجب اتباعه و الانقياد له متى ظهر. و لهذا
قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) مادحا للصديق ما دعوت أحدا الى الإسلام الا كانت له كبوة غير أبى بكر فإنه لم يتلعثم
و لهذا كانت بيعته يوم الثقيفة أيضا سريعة من غير نظر و لا روية لان أفضليته على من عداه ظاهرة جلية عند الصحابة رضى اللَّه عنهم و لهذا
قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لما أراد أن يكتب الكتاب الّذي أراد أن ينص فيه على خلافته فتركه و قال يأبى اللَّه و المؤمنون الا أبا بكر
رضى اللَّه عنه. و قول كفرة قوم نوح له و لمن آمن به. (وَ ما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ) اى لم يظهر لكم أمر بعد اتصافكم بالايمان و لا مزية علينا (بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ. قالَ يا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَ آتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَ نُلْزِمُكُمُوها وَ أَنْتُمْ لَها كارِهُونَ) و هذا تلطف في الخطاب معهم و ترفق بهم في الدعوة الى الحق كما قال تعالى فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى و قال تعالى ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَ جادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ و هذا منه يقول لهم أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَ آتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ اى النبوة و الرسالة فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ اى فلم تفهموها و لم تهتدوا اليها (أَ نُلْزِمُكُمُوها) أي أ نغضبكم بها و نجبركم عليها (وَ أَنْتُمْ لَها كارِهُونَ) أي ليس لي فيكم حيلة و الحالة هذه (وَ يا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مالًا إِنْ أَجرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ) اى لست أريد منكم اجرة على إبلاغي إياكم ما ينفعكم في دنياكم و اخراكم إن أطلب ذلك الا من اللَّه الّذي ثوابه خير لي و ابقى مما تعطونني أنتم. و قوله وَ ما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَ لكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ كأنهم طلبوا منه ان يبعد هؤلاء عنه و وعدوه ان يجتمعوا به إذا هو فعل ذلك فأبى عليهم ذلك و قال (أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ) اى فأخاف ان طردتهم ان يشكوني الى اللَّه عز و جل و لهذا قال وَ يا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ و لهذا لما سأل كفار قريش رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ان يطرد عنه ضعفاء المؤمنين كعمار و صهيب و بلال و خباب و أشباههم نهاه اللَّه عن ذلك كما بيناه في سورتي الأنعام و الكهف (وَ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَ لا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَ لا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ) اى بل أنا عبد رسول لا أعلم من علم اللَّه الا ما أعلمنى به و لا أقدر الا على ما أقدرنى عليه و لا أملك لنفسي نفعا و لا ضرا الا ما شاء اللَّه (وَ لا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ). يعنى من اتباعه (لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً اللَّهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ) اى لا أشهد عليهم بأنهم لا خير لهم عند اللَّه يوم القيامة اللَّه أعلم بهم و سيجازيهم على ما في نفوسهم ان خيرا فخير و ان شرا فشر كما قالوا في المواضع الأخر (أَ نُؤْمِنُ لَكَ وَ اتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ. قالَ وَ ما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ. إِنْ حِسابُهُمْ إِلَّا عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ. وَ ما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ)* و قد تطاول الزمان و المجادلة بينه و بينهم كما قال تعالى فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً