البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٨٠ - قصة قوم لوط
فقالت يا أبتاه أرادك فتيان على باب المدينة ما رأيت وجوه قوم قط هي أحسن منهم لا يأخذهم قومك فيفضحوهم و قد كان قومه نهوه أن يضيف رجلا فجاء بهم فلم يعلم أحد إلا أهل البيت فخرجت امرأته فأخبرت قومها فقالت إن في بيت لوط رجالا ما رأيت مثل وجوههم قط فجاءه قومه يهرعون اليه. و قوله (وَ مِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ). أي هذا مع ما سلف لهم من الذنوب العظيمة الكبيرة الكثيرة (قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ) يرشدهم الى غشيان نسائهم و هن بناته شرعا لأن النبي للأمة بمنزلة الوالد كما ورد في الحديث و كما قال تعالى النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَ أَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ و في قول بعض الصحابة و السلف و هو أب لهم. و هذا كقوله أَ تَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ الْعالَمِينَ. وَ تَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ و هذا هو الّذي نص عليه مجاهد و سعيد بن جبير و الربيع بن انس و قتادة و السدي و محمد ابن إسحاق و هو الصواب. و القول الآخر خطأ مأخوذ من أهل الكتاب و قد تصحف عليهم كما أخطأوا في قولهم إن الملائكة كانوا اثنين و انهم تعشوا عنده و قد خبط أهل الكتاب في هذه القصة تخبيطا عظيما و قوله (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ لا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَ لَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ) نهى لهم عن تعاطى ما لا يليق من الفاحشة و شهادة عليهم بأنه ليس فيهم رجل له مسكة و لا فيه خير بل الجميع سفهاء. فجرة أقوياء. كفرة أغبياء. و كان هذا من جملة ما أراد الملائكة أن يسمعو منه من قبل أن يسألوه عنه. فقال قومه عليهم لعنة اللَّه الحميد المجيد. مجيبين لنبيهم فيما أمرهم به من الأمر السديد (لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ وَ إِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ) يقولون عليهم لعائن اللَّه لقد علمت يا لوط إنه لا أرب لنا في نسائنا و انك لتعلم مرادنا و غرضنا. واجهوا بهذا الكلام القبيح رسولهم الكريم و لم يخافوا سطوة العظيم. ذي العذاب الأليم. و لهذا قال (عليه السلام) (لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ) ود أن لو كان له بهم قوة أو له منعة و عشيرة ينصرونه عليهم ليحل بهم ما يستحقونه من العذاب على هذا الخطاب* و قد قال الزهري عن سعيد بن المسيب و أبى سلمة عن أبى هريرة مرفوعا (نحن أحق بالشك من إبراهيم و يرحم اللَّه لوطا لقد كان يأوى إلى ركن شديد و لو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي) و رواه أبو الزناد عن الأعرج عن ابى هريرة* و
قال محمد بن عمرو بن علقمة عن أبى سلمة عن أبى هريرة أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال رحمة اللَّه على لوط لقد كان يأوى الى ركن شديد يعنى اللَّه عز و جل
فما بعث اللَّه بعده من نبي إلا في ثروة من قومه. و قال تعالى وَ جاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ قالَ إِنَّ هؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ. وَ اتَّقُوا اللَّهَ وَ لا تُخْزُونِ. قالُوا أَ وَ لَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعالَمِينَ. قالَ هؤُلاءِ بَناتِي إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ فأمرهم بقربان نسائهم و حذرهم الاستمرار على طريقتهم و سيئاتهم هذا و هم في ذلك لا ينتهون و لا يرعوون بل كلما لهم يبالغون في تحصيل هؤلاء الضيفان و يحرضون. و لم يعلموا ما حم